‏إظهار الرسائل ذات التسميات محاضرات مادة مناهج بحث اجتماعي لقسم علم اجتماع والخدمة الاجتماعية في جامعة الامام محمد بن سعود. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات محاضرات مادة مناهج بحث اجتماعي لقسم علم اجتماع والخدمة الاجتماعية في جامعة الامام محمد بن سعود. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 18 نوفمبر 2015

محاضرات وسائل جمع البيانات : ثالثاً وسائل أخرى لجمع البيانات:

ناقشنا فيما سبق من فصول هذا الباب بعض وسائل جمع البيانات. وقد تبين لنا من العرض السابق لتلك الوسائل أنها تستخدم في البحوث الميدانية حيث ينزل الباحث إلى الميدان ويتصل بالمبحوثين ليحصل منهم على البيانات اللازمة للبحث. ونود أن نشير في هذا المجال إلى أنه ليس من المفروض في كل بحث اجتماعي أن يحصل الباحث على البيانات المطلوبة من مصادر ميدانية، فقد يحصل على ما يلزمه من معلومات بتحليل محتوى المادة التي نقدمها وسائل الاتصال الجمعي والمجلات والكتب وأفلام السينما وبرامج التلفزيون، أو بالرجوع إلى السجلات الإحصائية. ويمتاز استخدام تحليل محتوى الاتصال في البحوث الاجتماعية بأن مادة الاتصال تفيد في الكشف عن القيم والآراء والاتجاهات الثقافية التي تسود المجتمع في ماضيه وحاضره. ولذا فأنها تستخدم في تصوير الأوضاع الاجتماعية والثقافية القائمة، كما يستعان بها في الدراسات المتعلقة بالتغير الاجتماعي. فيجمع الباحث المواد التي ظهرت في مجتمع معين خلال فترات تاريخية متتالية، محاولاً تحديد اتجاه التغير ومداه بالنسبة لظاهرة أو ظواهر معينة. ولا تقف أهمية مادة الاتصال عند هذا الحد، بل أنها تفيد في دراسة اتجاهات الرأي العام العالمي باستخدام الملاحظة أو الاستبيان. ولذا لجأ الباحثون الاجتماعيون إلى معرفة اتجاهات الرأي العام العالمي نحو دولة ما بدراسة اتجاهات الصحف والمجلات والكتب التي تصدر في الدول المختلفة، وكذا برامج الإذاعة والتلفزيون التي تمس هذه الدولة. ولما كانت مواد الاتصال الجمعي لا تنتج أساساً لغرض البحث الاجتماعي، بأنها تكون صادقة في تعبيرها عن الواقع إلى حد كبير، بعيدة عن التحريف الذي قد يحدث خلال الملاحظة أو المقابلة أو الاستبيان. أما السجلات الإحصائية فإنها تمد الباحث بكثير من البيانات التي تلزم إثبات صحة أو خطأ فرض من الفروض، للتأكد من صحة بيانات جمعت في البحث الميداني، أو لغير ذلك من أغراض نشير إليها فيما بعد. أولاً تحليل مضمون المحتوى content analysis: _ تعريفه: يعرف تحليل المضمون بأنه "الأسلوب الذي يهدف إلى الوصف الموضوعي المنظم الكمي للمحتوى الظاهر للاتصال. وعلى أساس هذا التعريف يمكن تحديد السمات الرئيسية لأسلوب تحليل المضمون فيما يلي: 1_ يستخدم هذا الأسلوب في وصف محتوى مادة الاتصال لما لهذه المادة من أهمية في مجال البحث الاجتماعي، وقد اقتصر استخدام هذا الأسلوب في بداية الامر على الأبحاث الصحفية ثم اتسع مجال استخدامه بحيث شمل الكتب والرسائل والخطب والمحادثات والصور وأفلام السينما وبرامج التلفزيون، أما في وقت الحاضر فإنه يستخدم في كثير من أبحاث علم النفس، والاجتماع، والأنثروبولوجيا، والتربية. 2_ يهتم هذا الأسلوب بدراسة المضمون الظاهر للاتصال. وليس من الضروري أن يشغل الباحث نفسه بمحاولة التعرف على نوايا ومقاصد الكاتب أو المتحدث، وإن كان من الممكن تبين دوافع الكاتب أو المتحدث من خلال كتاباته أو أحاديثه. 3_ ينبغي مراعاة الموضوعية التامة في تحليل مضمون مادة الاتصال بحيث لا يتأثر الباحث بأهوائه الشخصية أو دوافعه الخاصة. ولتحقيق هذه الغاية توضع فئات محددة للتحليل يستطيع الباحث أن يستخدمها في دراساته، كما يستطيع أن يطبقها غيره من الباحثين، على مضمون المادة التي يقوم بتحليلها فيصلوا جميعاً إلى درجة كبيرة من الاتفاق والثبات التي يقوم بتحليلها فيصلوا جميعاً إلى درجة كبيرة من الاتفاق والثبات. 4_ ينبغي أن يتم تحليل مضمون مادة الاتصال بطريقة منظمة، فلا يصنف الباحث المواد التي تستدعي انتباهه فحسب، أو التي تخدم فكرة معينة يأخذ بها، وإنما يصنف جميع المواد المناسبة في العينة في ضوء جميع الفئات التي سبق تحديدها حتى يمكن الوصول إلى تعميمات علمية سليمة. 5_ يستلزم استخدام تحليل المضمون ترجمة الفئات إلى أرقام، وذلك عن طريق رصد تكرار الفئات المختلفة، وتحديد درجات لانتشار وسيلة الاتصال، وشدة تأثيرها في جمهور القراء أو المشاهدين أو المستمعين. _ أسس استخدامه: 1_ من الممكن إلى حد ما تبين الدوافع والاهداف التي يرمي إليها الكاتب أو المتحدث من محتويات كتابته أو أحاديثه، كما ان من الممكن إلى حد ما معرفة تأثير مضمون مادة الاتصال على أفكار الناس واتجاهاتهم. 2_ أن المعاني التي اشتقها الباحث من مادة الاتصال تتفق بعد تبويبها وتحليلها مع ما يقصده الكاتب أو المتحدث ومع ما يفهمه القراء والمستمعون. وبعبارة أخرى يمكن القول بأن الباحث، والمرسل "المؤلف أو المتحدث"، والمستقبل "القارئ او السامع"، يلتقون عند نقطة واحدة، وهذه النقطة هي المعاني والأفكار التي يهدف إليها الكاتب أو المتحدث، والتي تصبح محور الاهتمام في الاتصال. 3_ أن الوصف الكمي لمضمون مادة الاتصال هو وصف ذو معنى، أي أن الأرقام لها مدلولات محددة، وهذا يعني ان تكرار خواص فئات معينة في مادة الاتصال هو في حد ذاته عامل هام من عوامل الاتصال. وعلى ذلك فإن تحليل المضمون لا يكون صحيحاً إلا عندما تتساوى أوزان وحدات المحتويات التي يستخدمها الباحث. _ أوجه استخدامه: يحصر "برلسونberelson" أوجه استخدام تحليل المضمون فيما يلي: 1_تحديد خصائص المحتوى: ويتضمن لك وصف الاتجاهات البارزة في محتويات الاتصال، أو الكشف عن الفروق القائمة بين دولة وأخرى بتحديد المفاهيم التي اسقرت في كل دولة من الدول كالاشتراكية أو الحياد الإيجابي أو الاتجاهات العنصرية، أو المقارنة بين أدوات ومستويات الاتصال، أو محاولة الربط بين محتوى الاتصال وأهدافه أو تحديد معايير معينة يمكن تطبيقها على مادة الاتصال، أو تحليل وسائل الدعاية وأساليبها، أو قياس إمكانية قراءة المادة المكتوبة التي تعرضها وسائل الاتصال او الكشف عن خصائص الأسلوب الذي تكتب به. 2_ تحديد اهداف الاتصال والطرق التي اتبعت في عرض مادته: ويتضمن ذلك تحديد الأهداف التي يرمي إليها المرسل، والتعرف على الحالة السيكولوجية للأفراد والجماعات التي تعرض عليها مادة الاتصال، والكشف عن وجود دعاية في دولة ما وخاصة من حيث اتصالها بالجوانب القانونية. 3_ دراسة الجمهور المستمع أو القارئ أو المشاهد وتأثير الاتصال على الجمهور: ويتضمن ذلك الكشف عن الاتجاهات والاهتمامات والقيم السائدة في الجماعات المختلفة، وتحديد محور الاهتمام في محتوى الاتصال، ووصف تأثير مادة الاتصال في تغير الاتجاهات والأساليب السلوكية للجمهور المستمع أو القارئ أو المشاهد. _ خطوات تحليل مضمون الاتصال: تختلف مادة الاتصال المراد تحليل مضمونها حسب نوع المشكلة المراد دراستها، فقد يتخير الباحث مجموعة من الصحف، أو الكتب، أو الخطابات، أو المحاضرات أو الأفلام، أو السير الشخصية ليقوم بتحليلها. ويتم هذا التحليل دائماً وفق خطة مرسومة لا تختلف كثيراً عن خطط البحث في العلوم الاجتماعية. فإذا افترضنا ان الباحث يرغب في تحديد اتجاهات الصحف الأمريكية نحو تمويل مشروع السد العالي، في هذه الحالة يمكن تحديد الخطوط العريضة لخطوات الدراسة فيما يلي: 1_ اختيار عينة المصادر: لإجراء بحث بطريق العينة ينبغي البدء بتحديد مجتمع البحث. وقد سبقت الإشارة إلى أن مجتمع البحث قد يتكون من مجموعة أفراد أو مصانع أو مزارع. وأما في بحثنا هذا فإن مجتمع البحث يتكون من مجموعة الصحف الامريكية. ولا يكفي في مثل هذا البحث أن نحصي الصحف التي تصدر في الولايات المتحدة، ونحدد حجم العينة المطلوبة، ثم نختار عينة عشوائية من بين تلك الصحف. ويرجع ذلك إلى أن الصحف تختلف فيما بينها من ناحية درجة توزيعها وانتشارها، وتمثيلها للمناطق الجغرافية المختلفة، وتعبيرها عن اتجاهات فئات او أحزاب سياسية معينة. لذا فإن اختيار عينة ممثلة للمجتمع يستلزم تقسيم الصحف إلى فئات طبقاً لخصائص معينة، واختيار عينة طبقية يراعى فيها تمثيل كل فئة في العينة بنسبة وجودها في المجتمع. وقد نتغلب على صعوبة تحديد الفئات المختلفة باختيار أكبر عشر صحف في الولايات المتحدة طبقاً لأحجام توزيعها. وفي هذه الحالة لا ندعي تمثيل العينة للمجتمع تمثيلاً كاملاً، إلا ان هذا الاختيار يتم بطريقة موضوعية سليمة. وإذا استلزم الامر القيام بدراسة مقارنة بين اتجاهات الصحف في مختلف البلاد المختلفة نحو تمويل مشروع السد العالي، فإن من الممكن اختيار الجريدة الرسمية أو الجريدة التي تعبر عن الاتجاه الغالب في كل بلد من البلاد، ويكون الاختيار في هذه الحالة أيضاً موضوعياً وصحيحاً إلا أنه لا يمثل المجتمع الأصلي تمثيلاً كاملاً. ولتوضح طريقة اختيار العينة في بعض الدراسات التي استخدمت طريقة تحليل المحتوى نضرب مثالين أحدهما من واقع إحدى الدراسات التي أجريت بالولايات المتحدة، والآخر من واقع إحدى الدراسات التي أجريت بجمهورية مصر العربية. فقد قام " برلسون وسولتر berelson and satler" بدراسة عن النمطية القومية في سنة 1946 متبعين طريقة تحليل محتوى المجلات القصصية. وقد حدد الباحثان مجتمع البحث بأنه المجلات القصصية التي صدرت في الولايات المتحدة في الفترة ما بين 1937_ 1943. ولاختيار العينة حدد الباحثان ثمانية من أكثر المجلات القصصية انتشاراً في الولايات المتحدة خلال الفترة الزمنية المحددة للبحث، وقاما باختيار 185 قصة قصيرة من التي نشرت في تلك المجلات، وحلل الباحثان السمات الرئيسية لجميع الأفراد الذين قاموا بأدوار هامة في تلك القصص. وفي دراسة أخرى أجريت بجمهورية مصر العربية قام الدكتور إبراهيم كاظم بدراسة تتبعية لقيم الطلاب المصريين في خمس سنوات تمتد من سنة 1957 إلى 1962 متبعاً طريقة تحليل محتويات سير الحياة. وكانت عينة الطلاب مكونة من أربعين طالباً وطالبة في السنتين الأخيرتين في الجامعة والمعاهد العليا، وكان نصفهم من الذكور ونصفهم الآخر من الإناث. وقد اتبع الباحث طريقة موحدة في جمع سير الحياة بتكليف بعض الأساتذة بجمع هذه السير من الطلبة والطالبات بعد إعطائهم تعليمات مكتوبة، كما ألحق بالتعليمات أسئلة تكميلية يقرأها الطالب بعد الانتهاء من كتابة تاريخ حياته وله أن يجيب عليها إن إحتاج الامر. وقد جمع الباحث أربعة وثلاثين تاريخاً للحياة في سنة 1957 انتقى من بينها عشرين تاريخاً للحياة: عشرة للذكور وعشرة للإناث. وفي سنة 1962 جمع الباحث تسعاً وعشرين تاريخاً للحياة انتقى من بينها عشرين تاريخاً للحياة، وكان نصفهم ذكور والنصف الآخر من الإناث. وكان أساس اختيار تاريخ الحياة الصالح للدراسة هو مقدار المادة المكتوبة وخصوبتها ودرجة اهتمام وجدية الكاتب وتعاونه وتلقائيته في التعبير عن نفسه. وفي دراسة أخرى قام بها الدكتور محمد الشنيطي لتحليل مضمون مجموعة من القصص القصيرة التي ظهرت في بعض المجلات المصرية الذائعة الانتشار بين فبراير 1957 وأكتوبر سنة 1958، بقصد التعرف على أهم الملامح الشخصية لبطل القصة، قام الباحث باختيار مائة قصة قصيرة موزعة على عشر مجلات روعي في اختيارها أن تمثل قطاعاً عريضاً من المجلات المصرية، كما روعي أن يكون عدد القصص مائة لتيسير عملية جمع البيانات ورصدها وتفريغها وتحليلها من جهة أخرى. وفي دراسة رابعة قام بها الدكتور حامد ربيع ياستخدام أسلوب تحليل المضمون لبعض عينات من الأعلام المكتوب بدول غرب أوروبا، بقصد الكشف عن مقومات المنطق الدعائي الإسرائيلي، اختار الباحث ثماني صحف ومجلات صدرت في مجتمعات غرب أوروبا في الفترة الزمنية من يناير 1953 إلى مايو 1967، وكانت من بين الصحف التي تعبر عن مواقف واضحة من حيث تأييدها لوجهة النظر الإسرائيلية. 2_ اختيار العينة الزمنية: يتطلب البحث الميداني تحديد المجال الزمني للدراسة، أي الفترة التي يقوم فيها الباحث بجمع البيانات من الميدان. وفي البحوث التي يستخدم فيها أسلوب تحليل المحتوى ينبغي ان يحدد الباحث اتجاهات الصحف الامريكية نحو تمويل مشروع السد العالي من أواخر عام 1954 أي منذ خرج مشروع السد العالي من نطاق البحث العلمي حتى شهر يوليو 1956 وهو الشهر الذي سحبت فيه أمريكا العرض الذي سبق أن قدمته بشأن تمويل المشروع. وتختلف الفترة الزمنية من بحث إلى آخر حسب طبيعة المشكلة والهدف من الدراسة. 3_ اختيار عينة الوحدات: بعد اختيار العينة الزمنية ينبغي على الباحث ان يختار عينة الوحدات. ويقصد بها جوانب الاتصال التي يمكن اخضاعها للتحليل، وتستخدم لتحليل محتوى مادة الاتصال خمس وحدات أساسية هي: أ_ الكلمة word: وتستخدم الكلمة حينما يراد الكشف عن بعض المفاهيم التي استقرت في دولة ما كالحرية والعدالة الاجتماعية والاشتراكية والديموقراطية والتعاونية والتعايش السلمي والحياد الإيجابي. وتستخدم الكلمة كذلك في تحديد الألفاظ التي يستخدمها الادباء في بلد ما. وفي هذه الحالة يحاول الباحث أن يسجل الكلمات والتكرارات المختلفة لكل كلمة. وتستخدم كلمة أيضاً في البحوث التي تجري لتحديد درجة سهولة أو صعوبة قراءة المادة المكتوبة. ب_ الموضوعtheme: يعتبر الموضوع من أهم وحدات التحليل في دراسة المضمون لأنه يكشف عن الآراء والاتجاهات الرئيسية في مادة الاتصال. فقد يدون الموضوع الذي تعالجه مادة الاتصال هو "جمهورية مصر العربية قد حققت نجاحاً كبيراً في سياستها الداخلية"، أو "أن أهل هذا البلد يؤمنون بالخرافات" أو "أن الولايات المتحدة تؤيد سياسة التمييز العنصري"، أو أي موضوع من الموضوعات التي تتناولها مادة الاتصال. ج_ الشخصيات: تستخدم الشخصية في تحليل القصبي والدراما وتواريخ الحياة. فنحلل الشخصيات لمعرفة ما إذا كانت شخصيات خيالية أو تاريخية. د_ المفردةitem : تختلف المفردة باختلاف وسيلة الاتصال. فقد يكون كتاباً أو مقالاً او قصة أو حديثاً أو خطاباً او برنامجاً إذاعياً... إلخ. وتستخدم المفردة وحدة للتحليل إذا وجدت عدة مفردات دون أن توجد بينها فروق جوهرية. وفي هذه الحالة يمكن تصنيف القصص حسب موضوعاتها مثلاً "إلى سياسية أو خلقية أو اجتماعية... إلخ. ه_ مقاييس المساحة والزمنspace and time measures: تستخدم مقاييس المساحة والزمن كوحدة للتحليل وذلك عن طريق حساب عدد السطور أو عدد الاعمدة أو الصفحات، أو الزمن الذي استغرقته أحاديث إذاعية من نوع معين أو وحدات الطول في الأفلام السينمائية. 4_ تحديد فئات التحليل: ينبغي أن تتناول الدراسة التحليلية لمحتوى الاتصال المادة التي تتضمنها وسيلة الاتصال، وكذا النواحي الشكلية التي صيغت بها هذه المادة ويقترح برلسون الفئات التالية لتحليل كل من مادة الاتصال وشكل الاتصال. أ_ فئات مادة الاتصال: تشتمل هذه الفئات على ما يأتي: 1_ موضوع الاتصال: غالباً ما ينقسم الموضوع الأصلي الذي تدور حوله مادة الاتصال إلى عدد من الموضوعات الفرعية. ولذا ينبغي أن يتجه الباحث وهو بصدد التحليل إلى تحديد الفئات الرئيسية والفرعية التي يتضمنها الموضوع ومدى الأهمية التي توليها مادة الاتصال إلى كل فئة من الفئات. ولسنا هنا بصدد وضع فئات محددة يمكن أن يعتمد عليها أي باحث، لأن هذه الفئات ترتبط بمشكلة البحث. وهذه المشكلات ولا ريب تختلف من بحث إلى آخر. ونكتفي في هذا المجال بإعطاء مثال من واقع إحدى الدراسات التي أجريت بجمهورية مصر العربية لتوضيح الغرض المقصود. ففي دراسة قام بها الأستاذ الدكتور سيد عويس لمحتوى الخطابات التي أرسلت بالبريد إلى ضريح الإمام الشافعي حاول الباحث أن يحدد مضمون الرسائل. هل هي شكاوى فقط؟ أم طلبات؟ أم شكاوى وطلبات؟ نذور؟ ثم قسم الشكاوى إلى أنواع منها الشكاوى بسبب الاعتداء على الأموال، والشكاوى بسبب الاعتداء على الأشخاص، وشكاوى في نطاق الأسرة، وشكاوى في نطاق العمل، وشكاوى أخرى. حاول الباحث أن يحدد المشكو في حقهم، وجنس مرسلي الطلبات وأنواع الطلبات وما في ذلك من نواحٍ تتصل بموضوع الاتصال. 2_ اتجاه محتوى الاتصال: من الضروري بعد تحديد الموضوعات التي تدور حولها مادة الاتصال الكشف عن اتجاه هذا الاتصال. هل هو اتجاه مؤيد أو محايد أو معارض. وينبغي تحديد الفئات التي تصنف بمقتضاها الاتجاهات. 3_ المعايير التي تطبق على محتوى الاتصال: ويفضل وضع مقاييس ومعايير ثابتة يرجع إليها في تصنيف اتجاه مضمون الاتصال. ويفضل وضع مقاييس كمية لتحديد الاتجاهات وتقديرها تقديراً سليماً. 4_ القيم التي يعتنقها الأشخاص: لك فرد مستوى أو معيار يستهدفه في سلوكه، ويسلم بأنه مرغوب فيه أو غير مرغوب فيه. ويعرف هذا المعيار أو المقياس بأنه القيمة التي يؤمن بها الفرد. وكما توجد قيم خاصة بالأفراد توجد قيم أخرى خاصة بالجماعات والمجتمعات. وهذه القيم توجد بين أفراد المجتمع الواحد وتجعلهم يشعرون بالانتماء لبعضهم البعض رغم الاختلافات الفردية القائمة بينهم. ومن الضروري في تحليل مادة الاتصال، وخاصة إذا كانت الرواية أدبية أو سيرة حياة، وضع فئات لتحليل القيم الفردية والجماعة وتقديرها تقديراً صحيحاً. وقد قام رالف هوايت r. white بأول بحث في القيم مستخدماً فيه أسلوب تحليل المضمون. وقد اثبتت دراسته تلك أن من الممكن الوصول إلى درجة عالية من الموضوعية باستخدام أسلوب تحليل المضمون بدون النصيحة بالفهم الشامل للجوانب المختلفة المحيطة بالإنسان. 5_ طرق تحقيق الأهداف والغايات: يختلف الناس فيما يسلكونه من سبل لتحقيق أهدافهم وغاياتهم. فقد يسعى عدد من الناس إلى جمع الثروة والحصول على الجاه، ولكنهم يختلفون فيما بينهم في طريقة حصولهم على الثروة. فقد يجمعها بعضهم بطريق شريف. بينما يجمعها البعض الآخر بطريق غير شريف. والمجتمعات كذلك شأنها شأن الأفراد كثيراً ما تسعى إلى تحقيق غاية واحدة ولكن بطرق مختلفة. فأغلب المجتمعات تسعى إلى تحقيق الرفاهية الاجتماعية لأكبر عدد ممكن من الناس. ولكنها تختلف فيما بينها فيما تصنعه من وسائل لتحقيق الرفاهية المنشودة. فبعض المجتمعات يستخدم الأساليب الثورية لتحقيق أغراضه، وبعضها الآخر يؤمن بالتطور، وبعضها الثالث يستخدم أسلوباً وسطاً بين الاثنين. ولذا ينبغي عند تحليل محتوى الاتصال تحديد الفئات التي تستخدم للتحليل والتي يمكن بمقتضاها الكشف عن الطريق التي يسلكها الأفراد أو الجماعات لتحقيق أهدافهم وغاياتهم. 6_ تحديد السمات: تستخدم هذه الفئة لتحديد السمات الشخصية للأفراد مثل السن والجنس والخصائص السيكولوجية، وكذا السمات المتعلقة بالجماعات والمجتمعات مثل الجماعات الأولية والثانوية، والجماعات المتعاونة والمتنافرة والمجتمعات الرأسمالية والاشتراكية والشيوعية... إلخ. 7_ تحديد الفاعل: وذلك بتحديد الفئات التي تساعد على الكشف عن الشخص أو الجماعة التي تبدو في محتوى الاتصال على أنها تقوم بفعل معين أياً كان هذا الفعل. 8_ تحديد السلطة: وذلك للتعرف على المصدر أو المراجع الذي تنسب إليه مادة الاتصال. ويفيد ذلك في التعرف على مدى موضوعية المصدر وإمكانية الثقة فيما يسوقه من معلومات. 9_ تحديد المكان الذي تصدر منه مادة الاتصال: وتستخدم هذه الفئة للتعرف على نوع البيئة التي تصدر منها هذه المادة. هل هي قرية أو مدينة صغيرة أو كبيرة؟ وهل هي عاصمة محافظة أو عاصمة الدولة كلها؟ ويفيد ذلك في الكشف عن القيم السائدة بتلك البيئة، ومدى ما يمكن أن تمارسه من نفوذ على غيرها من البيئات. 10_ تحديد الهدف: تستخدم هذه الفئة للتعرف على نوع الأفراد أو الجماعات التي توجه إليها مادة الاتصال. ب_ فئات شكل الاتصال: وتشتمل على الفئات التالية: 1_ نوع الاتصال: تستخدم هذه الفئة للتفرقة بين الأشكال المختلفة للاتصال مثل تحليل برامج الإذاعة إلى أحاديث وأخبار وموسيقى وأغاني ومتنوعات، وتحليل الكتب إلى روائية وغير روائية... إلخ. 2_ شكل الموضوع: قد يعبر الموضوع عن بعض الحقائق أو الاماني أو كليهما ولذا ينبغي التفرقة بين هذه الأشكال جميعاً. 3_ شدة التعبير: تستخدم هذه الفئة لقياس مدى الانفعال الذي يظهر في محتوى الاتصال: هل العبارات محايدة أو حماسية؟ وهل كان الخطيب أو المحاضر أو المذيع متحمساً عند إلقائه الكلمات أو هادئاً؟ 4_ الوسيلة: ويقصد بها تحديد الطريقة التي تتبع في الإقناع. هل يتم ذلك عن طريق الاستشهاد بكثير من المصادر؟ أو عن طريق تزييف الحقائق... إلخ. 5_ تصنيف المواد المناسبة في العينة: بعد تحديد فئات التحليل، ينبغي تصنيف محتوى الاتصال بطريقة منظمة، فلا يصنف الباحث المواد التي تسترعي انتباهه فحسب، أو التي تخدم فكرة معينة يأخذ بها، وإنما يصف جميع المواد المناسبة في العينة في ضوء جميع الفئات التي سبق تحديدها حتى يمكن الوصول إلى تعميمات علمية سليمة. 6_ تحليل البيانات المصنفة: يستلزم استهداف أسلوب تحليل المحتوى ترجمة الفئات إلى أرقام، وذلك عن طريق رصد تكرار الفئات المختلفة، وتحديد درجات لانتشار وسيلة الاتصال، وشدة تأثيرها في جمهور القراء أو المشاهدين أو المستمعين. وقد اتفق على أن يراعي في الترجمة الكمية للاتجاهات النظرية التي تتضمنها المسائل الإعلامية المختلفة الشروط التالية: 1_ أن يقدر لمضمون المادة الإعلامية درجة واحدة. 2_ أن يضاف لمضمون المادة الإعلامية درجة ثانية لانتشار الوسيلة الإعلامية مثل التوزيع في حالة الصحف. 3_ أن يضاف لمضمون المادة الإعلامية درجة ثالثة لشدة تأثير ونفوذ الوسيلة الإعلامية. 4_ أن يضاف لمضمون المادة الإعلامية درجة رابعة لمكان النشر ودرجة الظهور في الصحف، كما ينطبق ذلك على مكان الخبر بالنسبة للنشرة الإذاعية أو التلفزيونية أو السينمائية. وباتباع هذا المعيار يصير تقويم كل مقال بين درجة وأربع درجات بحسب الشروط السابقة. هذا، ولا ينبغي في سعينا وراء الكم أن نهمل الكيف لأن كليهما له أهميته في البحوث الاجتماعية. 7_ التأكد من ثبات التحليل: لابد لتحليل المحتويات _ باعتبارها أداة علمية_ من توفر صفة الثبات أي لابد أن يحصل الباحث على نفس النتائج لنفس التحليل حتى ولو اختلفت المحلل أو تفاوت الزمن الذي يتم فيه تحليل. وهناك نوعان من الاتفاق لابد أن يتوافر في الاستخدام السليم لأسلوب تحليل المحتوى هما: 1_ الاتفاق بين المحللين المختلفين بمعنى أن يصل المحللون المختلفون لنفس النتائج عندما يستخدمون نفس وحدات التحليل. 2_ الاتفاق بين المحلل ونفسه في فترتين زمنيتين متفاوتتين، بمعنى أن المحلل أو مجموعة المحللين _كل على إنفراد_ يحصل على نفس النتائج عند استخدام نفس الوحدات لنفس المحتويات في فترات زمنية متفاوتة. _ أمثلة واقعية لدراسات تحليل المضمون: قبل أن نختم مناقشة أسلوب تحليل المحتوى نضرب مثالين لدراستين أجريتا في جمهورية مصر العربية، واستخدام فيهما أسلوب تحليل المحتوى الأولى لدراسة قيم الطلاب المصريين في خمس سنوات تمتد من سنة 1957 إلى سنة 1962 قام بها الدكتور محمد إبراهيم كاظم، والثانية قام بها السكتور سيد عويس لدراسة محتوى الخطابات التي أرسلت بالبريد إلى ضريح الإمام الشافعي. أولاً دراسة قيم الطلاب المصريين: قام الدكتور محمد إبراهيم كاظم بدراسة قيم الطلاب المصريين في سنة 1957 متبعاً طريقة محتويات سير الحياة. ولمعرفة اتجاهات التغيرات القيمية قام بدراسة أخرى في سنة 1962 على عينة مماثلة للعينة الأولى. وقد اتبع الباحث طريقة موحدة في جمع سير الحياة بتكليف بعض الأساتذة بجمع هذه السير من الطلبة والطالبات بعد إعطائهم تعليمات مكتوبة، كما ألحق بالتعليمات أسئلة تكميلية يقرأها الطالب بعد الانتهاء من كتابة تاريخ حياته وله أن يجيب عليها أن أحتاج الامر. وفيما يلي وصف الطريقة التي استخدمت في هذه الدراسة لتقدير القيم كمياً. وهي تتكون من ثلاث خطوات: 1_ تحديد العبارات التي تحمل القيم، ثم تفسيرها وتنقيح وتعديل هذا التفسير قي ضوء السياق العام لتاريخ الحياة، والوصول إلى تحديد القيم المعينة المكتشفة ودرجة تأكيدها. 2_ تجميع وتنظيم الوحدات القيمية الخاصة بكل قيمة. 3_ تصنيف وتبويب الدرجات الخام _ أي الوحدات القيمية_ وحساب نسبها المئوية. وفيما يلي الخطوات العلمية لإجراء التحليل: 1_ (أ) اقرأ تاريخ الحياة كله بعناية. (ب) حدد العبارات التي تكشف أو تتضمن قيماً، وعين ماهية هذه القيم. (ج) أمام كل قيمة مكتشفة اكتب الوزن الخاص بها أي عدد الوحدات القيمية التي تصف قوة العبارة التي تضمنت القيمة ومدى تأكيدها لأهميتها. وهذه الأوزان أو الوحدات القيمية تتراوح بين 1، 2، 3، فإذا تضمنت العبارة مجرد قبول القيمة عيّن لها وزناً واحداً أي وحدة قيمية واحدة(1)، فإذا صرحت العبارة بقبول القيمة عيذن لها (2)، فإذا صرحت العبارة بتأكيدها الشديد للقيمة عيّن لها (3). وهذه الوحدات تمثل المرغوب فيها عند كاتب تاريخ الحياة، فإذا كانت القيمة سلبية أي غير مرغوب فيها، أضف للقيمة حرف النفي "لا" كما في "اللاعدوان". 2_ (أ) أعد قائمة بالقيم المتضمنة في مادة الاتصال. وأسفل هذا قائمة بالقيم التي استعملت. وقد اتبع في هذه القائمة تصنيف القيم إلى مجموعات قيمية. وفيما يلي قائمة المبينة في سير حياة الطلبة المصريين: 1_ المجموعة القيمية الأخلاقية: الأخلاق، الصدق، العدل، التقاليد، الطاعة، الدين، اللاتقاليد، اللاطاعة، اللادين. 2_ المجموعة القيمية الاجتماعية الأولى: الظرف (الشخص اللطيف)، الصبر، التواضع، التسامح... إلخ. 3_ المجموعة القيمية الاجتماعية الثانية: حب الوطن، حب الأسرة، الصداقة... إلخ. 4_ المجموعة القيمية الذاتية الأولى: القوة، الذكاء والحكمة، التصميم، المظهر... إلخ. 5_ المجموعة القيمية الذاتية الثانية: اعتبار الذات، الاستقلال، النجاح والوصل... إلخ. 6_ مجموعة قيم الامن: 7_ مجموعة القيم الجسمانية: الصحة، النشاط، الراحة. 8_ مجموعة القيم الترويجية: الخبرات الجديدة، الإثارة، الجمال، المرح... إلخ. 9_ مجموعة القيم العملية: القيمة العملية، القيمة الاقتصادية، التملك... إلخ. 10_ مجموعة القيم المعرفية. 11_ مجموعة القيم المتنوعة: الحرص، النظافة، التثقيف، التكيف، السعادة. ب_ تعتبر القائمة النهائية للقيم التي تكونت في الخطوة السابقة أساساً لجدول يتضمن القيم المتضمنة في تاريخ الحياة. ج_ تجمع الاوزان الخاصة بكل قيمة على حدة وتوضع في مكانها في القائمة وهذا يمثل درجة تأكيد هذه القيمة بالنسبة لغيرها في نفس تاريخ الحياة. د_ تحسب النسب المئوية لكل قيمة ولكل مجموعة قيمية حتى يمكن إجراء المقارنات الإحصائية. 3_ (أ) الخطوات السابقة _كلها خاصة بتواريخ الحياة الفردية. وهي خطوات تتكرر في كل تاريخ حياة وتسجل النتائج في جدول عام ثم تحسب وسيطات النسب المئوية للعينات الفرعية. (ب) تعد جداول لتفريغ النتائج وتوضيح مقدار الوحدات القيمية ونسبها المئوية بالنسبة لكل عينة فرعية. (ج) تستخدم طريقة التحليل العاملي للمقارنة بين العينات الفرعية المختلفة بالنسبة لعامل فرق الزمن وعامل الجنس وعامل التفاعل بين الزمن والجنس. _ ثانياً دراسة ظاهرة رسائل الإمام الشافعي: قام الدكتور سيد عويس بدراسة اجتماعية للرسائل التي أرسلت إلى ضريح الإمام الشافعي عن طريق البريد. وتتمثل أهمية هذه الدراسة في أنها تكشف عن جانب هام من جوانب ثقافتنا. فمن المعروف أن هناك عادات شائعة بين أفراد الشعب تتمثل في التردد على أضرحة المشايخ والأولياء، ونذر النذور لهم، والاستعانة بهم عند الشدائد. ويصل الامر ببعض الناس إلى كتابة عرائض يضمنونها شكاواهم وطلباتهم. ويسقطونها في المقصورات التي تحيط _ في العادة_ برفات الشيخ أو الولي. غير أنه استلفت نظر الباحث، وأثار دهشته الشديدة، ما عرفه من أن هناك أشخاصاً يرسلون إلى الاولياء رسائل بالبريد يضمنونها شكاواهم وطلباتهم. وأهتم الباحث بالرسائل التي أرسلت إلى ضريح الإمام الشافعي في المدة من 1952_1958م. وقد اتبع الباحث في تحليل الرسائل، أسلوب تحليل المضمون. وقد قام بتحليل 162 خطاباً تحليلاً كمياً وتحليلاً كيفياً، ثم انتهى إلى تفسير الظاهرة واضعاً في الاعتبار مقومات ثقافتنا المصرية، والعوامل التي أثرت فيها منذ حضارة الفراعنة حتى عصرنا الحاضر. ونعرض في هذا المجال لطريقة التحليل الكمي التي اتبعت في البحث وكذا الفئات الرئيسية وبعض الفئات الفرعية التي استخدمت في البحث. 1_ عناوين الظروف: "أما موجهة إلى شخص الإمام بدون ذكر ألقاب تعظيم. أو بذكر ألقاب تعظيم. وقد يوجه المظروف إلى ضريح الإمام الشافعي أو إلى المقام أو إلى المسجد). 2_ تواريخ الرسائل. 3_ الأماكن التي أرسلت منها الرسائل. 4_ مرسلو الرسائل. ( وجود اسم مرسلي الرسائل من عدمه ، مكان وجود الاسم، شكل الاسم "إمضاء، ختم، بصمة... إلخ). 5_ نوع الورق المكتوب عليه الرسالة. 6_ وجود البسملة في اول الرسالة من عدمه. 7_ توجيه الرسائل. موجهة إلى الإمام أو إلى الله أو إلى الرسول... إلخ. 8_ أسلوب بداية الرسالة. 9_ مضمون الرسائل. 10_ جنس مرسلي الشكاوى. 11_ أنواع الشكاوى. 12_ المشكو في حقهم. 13_ جنس مرسلي الطلبات. 14_ أنواع الطلبات. 15_ جنس الواعدين بالنذور. 16_ أنواع النذور. 17_ أسلوب خاتمة الرسالة. 18_ صفة الموقعين على الرسالة. 19_ جنس الموقعين. وبالإضافة إلى نظام التحليل الكمي السالف الذكر. قام الباحث بتحليل الخطابات تحليلاً كيفياً على أساس تصنيفها إلى شكاوى وطبقات، ثم حلل كل نوع تحليلاً متعمقاً. _ ثانياً السجلات الإحصائية statistical beeords: أشرنا في بداية هذا الفصل إلى أنه ليس من المفروض في كل بحث اجتماعي أن ينزل الباحث إلى الميدان، ويقوم بجمع البيانات اللازمة من أشخاص معينين. فكثيراً ما تكون البيانات المطلوبة مدونة في سجلات حكومية أو أهلية، ويمكن الإفادة منها والاعتماد لتحقيق أغراض البحث. في هذه الحالة يستطيع الباحث أن يأخذ من السجلات كل ما يسد حاجته من بيانات، موفراً على نفسه كثيراً من الوقت والجهد والمال. وتتميز البيانات الإحصائية التي يستقيها الباحث من السجلات الإحصائية المختلفة بعدة مزايا. فهي فضلاً عن توفيرها كثيراً من الوقت والجهد والمال تسجل لنا مقادير الظاهرة التي ندرسها وما يطرأ عليها من تغيرات مع الزمن. ولما كان من المفروض أن البيانات الإحصائية تقاس بنفس المتغيرات التي تطرأ على الظاهرة موضوع الدراسة، وتساعد على معرفة أسباب الوحدات وبنفس الطريقة خلال الأزمنة المختلفة، فإنها تفيد في الكشف عن هذه التغيرات ونتائجها، وما يمكن أن يكون هناك من علاقة بين هذه الظاهرة وغيرها من الظواهر. ويعتمد رجال الاقتصاد اعتماداً كبيراً على البيانات الإحصائية في دراسة التغيرات التي تطرأ على الظواهر في الزمن، ويعملون على تحليل ما يسمونه باسم السلاسل الزمنية أو السلاسل التاريخية أي دراسة قيم ومقادير الظاهرة في سلسلة تواريخ متتابعة، ويلون من وراء ذلك إلى تحديد الاتجاهات العامة للتغير، ومعرفة القوانين المتعلقة بالتغيرات المنظمة والعرضية والدورية. وبالمثل يستطيع الباحثون في أي ميدان اجتماعي ان يدرسوا ما يطرأ على الظواهر التي يقومون بدراستها من تغيرات. قام الدكتور فتح الله هلول مثلاً بدراسة التطور العددي للسكان الريفيين والحضريين بالإقليم المصري، وحاول الكشف عن الخصائص الاجتماعية لسكان الريف معتمداً على التعدادات السكانية للإقليم المصري في الفترة ما بين 1917_ 1947م. كما قام باحثون من المركز القومي للبحوث الاجتماعي والجنائية بعدة بحوث عن ظاهرة تشرد الأحداث معتمدين على البيانات الإحصائية. من بين هذه البحوث ما قام به الدكتور سيد عويس وآخرون في دراسة لهم تحت عنوان ظاهرة تشرد الأحداث حدد مجالها الزمني بعام واحد بدأ من أول فبراير 1961 وانتهى في آخر يناير 1962، وروعي أن تمتد هذه الفترة طوال عام كامل حتى يكون هناك احتمال لاستخلاص بعض الدلالات من الإحصاءات، كتأثير فصل الشتاء والصرف على ممارسة أنماط التشرد المختلفة. وحتى تكون الإحصاءات حصيلة وحدة زمنية محددة يمكن اتخاذها أساساً للمقارنة أو القياس. وفي دراسة أخرى قام الدكتور سيد عويس وآخرون بدراسة صور الإجرام في مصر. وقد قسمت فترات الدراسة إلى: الأولى من عام 1925_ 1944، والثانية من 1945_ 1953، والثالثة من 1953_ 1958، واعتمد الباحثون على الإحصاءات الرسمية وكان هدفهم للكشف عن اتجاهات إجرام الأحداث على مر هذه السنين، ومحاولة تفسير التغير في هذه الاتجاهات. وفي دراسة أخرى قام بها طلبة بكالوريوس الخدمة الاجتماعية تحت إشراف المؤلف، حاول الباحثون دراسة ظاهرة الانتحار والشروع فيه في الجمهورية العربية المتحدة. وقد اعتمد الباحثون على احصائيات تقارير الأمن العام لوزارة الداخلية خلال ثلاثة عشر عاماً من 1950 إلى 1962 وأمكنهم أن يحددوا الاتجاهات العامة لظاهرة الانتحار والشروع فيه وتوزيع كلمن هاتين الظاهرتين بالنسبة للذكور والإناث، وفئات العمر والمهن، وما إلى ذلك من تقسيمات. هذا ولما كانت البيانات الإحصائية تجمع بانتظام وبطريقة روتينية فإنها لا تثير مقاومة المبحوثين كما هو الحال في جمع البيانات بطريق الملاحظة والمقابلة والاستبيان. _ أوجه استخدام البيانات الإحصائية: يمكن الاستفادة من البينات الإحصائية فيما يلي: 1_ صياغة الفروض المتعلقة بالمشكلة: ليس من شك في ان البيانات الإحصائية تجمع لأغراض أخرى غير أغراض البحث الذي يقوم به الباحث. ولذا يمكن الاستفادة منها في صياغة فروض متعلقة بالمشكلة موضوع الدراسة. وينبغي على الباحث أن يتعمق في قراءة البيانات الإحصائية حتى يستطيع أن يوجه الأسئلة المناسبة التي يمكن الإجابة عليها باستخدام هذه البيانات. كما ينبغي أن يكون مرناً في وضع الأسئلة المتعلقة بفروض البحث بصورة يتيسر معها استخدام البيانات المتوفرة لديه. 2_ التحقق من صحة الفروض الموضوعية: تفيد البيانات الإحصائية في التحقق من صحة الفروض التي يضعها الباحث. ومن أوضح الأمثلة على ذلك ما قام به دوركايم في دراسته التي أجراها عن الانتحار إذ استطاع باستخدام البيانات الإحصائية أن يفند بعض الفروض عن أسباب الانتحار مثل العوامل الجوية والنفسية، وأن يثبت أن الميل إلى الانتحار يتناسب عكسياً مع درجة التكامل في الهيئة الدينية ومع درجة التماسك في الأسرة، ومع الوحدة في الهيئة السياسية. فكلما قويت هذه الهيئات الثلاث واشتدت سلطاتها على الأفراد كلما قل عدد المنتحرين. 3_ اختيار عينات البحث: تفيد البيانات الإحصائية في اختيار بعض الحالات التي يمكن دراستها دراسة متعمقة والتي تساعد على تزويد الباحثين باستبصارات جديدة عن الموضوع الذي يرغبون في دراسته، كما تفيد في اختيار عينة من المدارس تختلف في مستوياتها التعليمية. أو عينة من المصانع تختلف في مستوياتها الإنتاجية... وهكذا. 4_ التأكد من البيانات التي سبق جمعها بوسائل أخرى: يمكن الاستفادة من البيانات الإحصائية في التأكد من صحة البيانات التي سبق جمعها بوسائل أخرى كالملاحظة والمقابلة والاستبيان أو لتكملة هذه البيانات. _ مصادر البيانات الإحصائية: تختلف المصادر الإحصائية باختلاف الظاهرة موضوع الدراسة ويمكن تحديد أهم المصادر الإحصائية فيما يلي: 1_ تعداد السكان: هو عبارة عن عملية عد تشمل جميع سكان البلد ف وقت واحد. وهذه العملية ترمي في نفس الوقت إلى التعرف على الأوضاع المختلفة للسكان مثل العمر والنوع والحالة المدنية والحالة العلمية والحالة العملية والديانة والجنسية، وغير ذلك من الأوضاع التي تساعد على إعطاء صورة كاملة لأحوال الشعب. وقد أجري أول تعداد السكان في مصر سنة 1882 وتلاه آخر سنة 1897، ومنذ ذلك التاريخ تقوم الحكومة بعمل تعداد للسكان مرة كل عشر سنوات بانتظام وقد أجري تعداد السكان الثامن بالجمهورية في سبتمبر 1960 نظراً لأن ظروف العدوان الثلاثي على مصر حالت دون إجرائه في سنة 1957، ويتميز بالآتي: 1_ اتخذت الوحدات الإدارية أساساً للعمليات الميدانية بخلاف التعدادات السابقة التي تجري وفقاً للعمليات المالية. وكانت الشياخة أو القرية أصغر الوحدات الإدارية في عملية جمع البيانات. 2_ صدرت نتائج التعداد النهائية في جزئين: الأول: كراسة لكل محافظة. وتعتبر الشياخة أو القرية أصغر الوحدات التي تنشر عنها بيانات تفصيلية. الثاني: كراسة للجمهور. بعض جداولها على مستوى المحافظة والباقي بيانات إجمالية عن الجمهور. هذا وتفيد تعدادات السكان في إعطاء صورة واضحة لحالة السكان من جميع النواحي، نعرف بواسطتها أثر التشريع القائم في سرعة نهوض الشعب وتقدمه، وتحكم على صلاحية النظم والتقاليد السائدة وملاءمتها لتطورات العصر ومقتضيات الأحوال. وقد فكرت كثير من الدول في جعل التعداد كل خمس سنوات بدل عشر، ولكن النفقات الكبيرة والمجهودات الفنية اللازمة لإجراء التعداد تحول دون تحقيق هذه الرغبة. 2_ إحصاءات المواليد والوفيات: تسجيل المواليد والوفيات أمر تحتمه القوانين. وفي مصر تقوم مكاتب الصحة بتسجيل المواليد والوفيات وتبلغ هذه البيانات تباعاً إلى مصلحة الإحصاء حيث تبوب وتنشر في جداول ونشرات دورية منظمة. 3_ إحصاءات الزواج والطلاق: توجد في كل البلاد المتحضرة إحصاءات وافية عن الزواج والطلاق إلا ان السجلات الخاصة بالزواج في مصر لم يبدأ تنظيمها إلا في سنة 1931 للمدن الكبرى، وفي سنة 1935 لجميع البلاد المصرية. أما عن الطلاق فلم تكن مصر أية إحصاءات عن الطلاق قبل سنة 1935. اما الآن فيتحتم تسجيل الطلاق وإعطاء بيانات كافية عن أسباب الطلاق وظروف الزوجين وهذه البيانات ترسل تباعاً إلى مصلحة الإحصاء وتبوب وتنشر في جداول ونشرات دورية منتظمة. 4_ الإحصاءات المتخصصة: وأهم هذه الإحصاءات ما يأتي: 1_ إحصاءات الأمن العام: تصدر إدارة الأمن العام بجمهورية مصر تقريراً سنوياً يتضمن إحصاءات متعلقة بأنواع الجنايات التي وقعت بالمحافظات وحوادث الانتحار والشروع فيه والوسائل التي استخدمت في الانتحار، وبيانات عن الفارين من الجندية والهاربين من الليمانات والسجون وبيان الجنح التي وقعت بالمحافظات. 2_ الإحصاءات الاجتماعية: يصدر المجلس الدائم للخدمات العامة أطلساً للخدمات باللغتين العربية والانجليزية. ويحتوي على الخدمات الصحية والتعليمية وأثر تنفيذ برنامج الوحدة المجمعة في انتشار الخدمات في الريف. ونسب المناطق المخدومة، وتكاليف الإنشاء والإدارة السنوية للوحدة المجمعة وعدد المراكز والمؤسسات الاجتماعية والجمعيات التعاونية والخيرية، كما يشتمل على بعض المقرنات عن النواحي الاقتصادية والاجتماعية، وتصدر مصلحة الإحصاء والتعداد إحصاء عن الأجور وساعات العمل. 3_ الإحصاءات التعليمية: تصدر مصلحة الإحصاء والتعداد الإحصاء العام لمعاهد التعليم، كما تصدر إدارة الإحصاء بوزارة التربية والتعليم الإحصاء السنوي للتعليم، وإحصاءات عن المؤهلات والمستويات لهيئات التدريس، ونتائج الامتحانات واتجاهات الخريجين. 4_ الإحصاءات الزراعية والتجارية والصناعية واحصاءات النقل والمواصلات: تصدر نشرات متعددة متعلقة بالنواحي السابقة. ويمكن الرجوع إليها في دليل المصادر الإحصائية. _ حدود البيانات الإحصائية: ليس من شك في أن البيانات الإحصائية لها أهميتها الكبرى في مجال البحث الاجتماعي، إلا أن هناك مواطن ضعف في هذه البيانات نذكرها فيما يلي: 1_ كثيراً ما تنطوي الإحصاءات الرسمية على بعض الثغرات التي تعوق الباحث عن مواصلة البحث، فقد تكون البيانات ناقصة أو مدونة بصفة إجمالية بحيث لا يتيسر للباحث الاستفادة منها سواء في فرض الفروض أو في التحقق من صحة ما وضعه من فروض. ويلاحظ أن هذه الشكوى عامة من الباحثين المختلفين في المجتمعات المختلفة مع تفاوت في الدرجة. وقد ناقش المركز القومي للبحوث الاجتماعية هذه النقطة بقوله: إن كثيراً من جوانب خبرتنا الاجتماعية تشير إلى صحة هذا الافتراض كما أن كثيراً من جوانب خبرتنا العلمية الناتجة عن إطلاعنا على عدد من البحوث الاجتماعية تشير إلى أن هذه الشكوى عامة من الباحثين في المجتمعات المختلفة مع تفاوت في الدرجة. غير أن هذه الخبرات جميعاً لا تبرر المغالاة في الاهتمام بهذا الاعتراض إلى الدرجة التي قد تشل الباحث عن مواصلة البحث، لاسيما وأن الإحصاءات الاجتماعية هي المادة الخام التي يعتمد عليها في عدد كبير من الدراسات الاجتماعية والاقتصادية والنفسية، وعلى ذلك فليس أمام الباحثين في هذه الميادين إلا ان يختروا واحداً من أمرين. فإما أن يتقبلوا هذه الحقيقة ويحاولوا التغلب على بعض آثارها السيئة مع التواضع فيما يولونه من ثقة للاستنتاجات التي يرتبونها على تحليل هذه الإحصاءات غير الدقيقة، أو يمتنعون تماماً عن البحث في الظواهر الاجتماعية حتى تتوافر الاحصائيات الدقيقة دقة تامة. على أن الاحصائيات ذات الدقة التامة مثل أعلى يندر أن يتحقق وبخاصة فيما يتعلق بجوانب الحياة الاجتماعية. ويبدو أن تحققها سيظل كذلك مثل أعلى نادر الحدوث، نظراً للعوامل التي لا نهاية لعددها التي تتدخل _ بطرق لا حصر لها_ في تحديد المستوى الذي تصل إليه هذه الدقة. ومعنى ذلك أن اختيار الامتناع عن البحث حتى تتوافر الاحصائيات الدقيقة اختيار عقيم لأن هذا الاختيار ينطوي من الناحية المنطقية على القضاء التام على الدراسة العلمية لمظاهر النشاط الاجتماعي جميعاً. 2_ قد لا تكون معاني المصطلحات واحدة في الإحصاءات المختلفة. فقد تختلف باختلاف المصدر والزمان والمكان مما يجعل من الصعوبة بمكان استخدام البيانات الإحصائية في الدراسات المقارنة. 3_ قد لا تكون الوسائل التي اتبعت في جمع البيانات الإحصائية صحيحة أو لا تكون معبرة تعبيراً دقيقاً عن الواقع. فاحصاءات الجريمة مثلاً تعتمد على الحالات التي ضبطت فعلاً، ولكن توجد حالات أخرى يتستر عليها المجتمع ولا يعرف عددها. ولذا ينبغي قبل استخدام الإحصاءات التأكد من دقتها وصحة الأساليب التي استخدمت في جمعها. 4_ لا تكفي البيانات الإحصائية وحدها في فهم المواقف الاجتماعية فهماً كاملاً، أو لإعطاء صورة متعمقة للظاهرة المدروسة. ولذا ينبغي الاستعانة بأكثر من أسلوب من أساليب جمع البيانات والاستفادة من الكيفية والكمية معاً، حتى يتيسر فهم الموقف الاجتماعي فهماً صحيحاً كاملاً.

السبت، 14 نوفمبر 2015

محاضرة وسائل جمع البيانات , ثانياً الاستبيان والمقابلة :

الاستبيان والمقابلة questionnaire and interview : الاستبيان والمقابلة وسيلتان هامتان من وسائل جمع البيانات. ويشيع استخدامهما في البحث الاجتماعي حينما تكون البيانات المطلوبة لها صلة وثيقة بمشاعر الأفراد ودوافعهم وعقائدهم نحو موضوع معين، وكذلك بالنسبة للمواقف التي يصعب الحصول على بيانات عنها بطريقة الملاحظة كالمواقف الماضية والمستقبلية. وتعتمد هذان الوسيلتان معاً على التقرير الذاتي اللفظي للفرد عن سلوكه وعن المؤثرات التي يتعرض لها، ولذا فإن توفيق الباحث في الحصول على المعلومات التي يطلبها يتوقف إلى حد كبير على مدى فهمه لهاتين الوسيلتين، والمواقف التي يفضل فيها استخدام إحداهما على الأخرى، والقواعد التي ينبغي مراعاتها عند إعداد الاستمارة التي تجمع بمقتضاها البيانات المطلوبة. ونعرض في هذا الفصل للموضوعات الآتية: 1_ الاستبيان. 2_ المقابلة "الاستبار". 3_ إعداد استمارة الاستبيان والمقابلة. _ المقصود بالاستبيان: الاستبيان ترجمة للكلمة الإنجليزية questionnaire وللكملة في اللغة العربية ترجمات متعددة. تترجم أحياناً باسم "الاستفتاء" وتترجم أحياناً أخرى باسم "الاستقصاء". وتترجم أحياناً ثالثة باسم "الاستبيان". وهذه الكلمات جميعها تشير إلى وسيلة واحدة لجمع البيانات قوامها الاعتماد على مجموعة من الأسئلة ترسل أما بطريق البريد لمجموعة من الأفراد أو تنشر على صفحات الجرائد والمجلات او على شاشة التلفزيون أو عن طريق الإذاعة، ليجيب عليها الأفراد ويقوموا بإرسالها إلى الهيئة المشرفة على البحث أو تسلم باليد للمبحوثين ليقوموا بملئها ثم يتولى الباحث أو أحد مندوبيه جمعها منهم بعد أن يدونوا إجاباتهم عليها. ويطلق على الاستبيان الذي يرسله الباحث بالبريد أو ينشره في الصحف والمجلات اسم "الاستبيان البريدي mailed questionnaire" تمييزاً له عن الاستبيان غير البريدي الذي يتولى الباحث أو أحد مندوبيه توزيعه وجمعه من المحبوثين. ويتفق الاستبيان البريدي وغير البريدي في أن المبحوث هو الذي يتولى بنفسه الإجابة على أسئلة الاستمارة وملئها بنفسه دون مساعدة من جانب الباحث. ويستخدم الاستبيان غير البريدي في الحالات التي يمكن فيها جمع المبحوثين في مكان واحد، وتوزيع الاستمارات عليهم، كما هو الحال بالنسبة للطلبة في المدراس، والعمال في المصانع والموظفين في المكاتب. ومن ومزايا الاستبيان غير البريدي أنه قليل التكاليف، ويضمن للباحث أن المجيب عن أسئلة الاستبيان هو الشخص المطلوب وليس أي شخص آخر، كما أن نسبة الردود تزداد زيادة كبيرة، هذا بالإضافة إلى ان البيانات التي يدلي بها المبحوثون تكون أكثر صدقاً ودقة لوجود الباحث بنفسه وتأكيده لأفراد البحث سرية البيانات وإزالته للمخاوف والشكوك من نفوسهم. _ مزايا الاستبيان: 1_ يستفاد بالاستبيان إذا كان افراد البحث منتشرين في أماكن متفرقة ويصعب الاتصال بهم شخصياً. وفي هذه الحالة يستطيع الباحث ان يرسل إليهم الاستبيان بطريق البريد، فيحصل منهم على البيانات المطلوبة بأقل جهد وفي أقصر وقت ممكن، فإذا أراد الباحث مثلاً أن يقوم ببحث عن خريجي الجامعات في سنة من السنوات ليحدد المراكز التي وصلوا إليها خلال فترة زمنية معينة، أو الوقوف على آرائهم بشأن مسألة من المسائل، فإن من الأوفق استخدام الاستبيان البريدي في جمع البيانات المتعلقة بالبحث حيث أنهم لا يشتغلون بعد تخرجهم في مكان واحد وإنما يعملون في أماكن متفرقة. 2- يتميز الاستبيان بقلة التكاليف والجهد وخاصة إذا نشر على صفحات الجرائد أو وزع على الأفراد. وحتى في حالة إرساله بالبريد فإنه لا يكلف كثيراً إذا قورن بغيره من وسائل جمع البيانات. 3_ يعطي الاستبيان البريدي لأفراد البحث فرصة كافية للإجابة على الأسئلة بدقة، خاصة إذا كان نوع البيانات المطلوبة متعلقاً بجميع أفراد الأسرة، إذ يمكنهم التشاور معاً في البيانات التي تتطلب إجابة جماعية. 4_ يسمح الاستبيان البريدي للأفراد بكتابة البيانات في الأوقات التي يرونها مناسبة لهم دون أن يتقيدوا بوقت معين يصل فيه الباحث لجمع البيانات. 5_ تتوفر للاستبيان ظروف التقنين أكثر مما تتوفر لوسيلة أخرى من وسائل جمع البيانات. وذلك نتيجة للتقنين في الألفاظ وترتيب الأسئلة وتسجيل الاستجابات. وهو يكفل للمبحوثين مواقف متجانسة نتيجة لعدم اتصال الباحث شخصياً بالمبحوثين. 6_ يساعد الاستبيان في الحصول على بيانات حساسة أو محرجة. ففي كثير من الأحيان يخشى المبحوث إعلان رأيه والتصريح به أمام الباحث كأن يدلي برأيه في سياسة الحزب الحاكم، أو يعلن رأيه في رئيس العمل، أو يتحدث في نواح تتعلق بالعلاقات الزوجية. أما إذا أتيحت له الفرصة لابداء رأيه في مثل هذه المسائل بطريقة لا تؤدي إلى التعرف عليه _كما هو الحال في الاستبيان_ فإنه يدلي برأيه بصدق وصراحة. 7_ لا يحتاج الاستبيان إلى عدد كبير من جامعي البيانات نظراً لان الإجابة على أسئلة الاستبيان وتسجيلها لا يتطلب إلا المبحوث وحده دون الباحث. _ عيوب الاستبيان: على الرغم مما يتوافر للاستبيان من مزايا، فإنه لا يخلو من عيوب تجعله غير صالح بالنسبة لجميع المواقف. واهم هذه العيوب ما يأتي: 1_ نظراً لأن الاستبيان يعتمد على القدرة اللفظية، فإنه لا يصلح إلا إذا كان المبحوثون مثقفين أو على الأقل ملمين بالقراءة والكتابة. 2_ تتطلب استمارة الاستبيان عناية فائقة في الصياغة والوضوح والسهولة والبعد عن المصطلحات الفنية، حيث أن المبحوثين يجيبون على الأسئلة بدون توجيه من الباحث. ولذا فإن صحيفة الاستبيان لا تصلح إذا كان الفرض من البحث يتطلب قدراً كبيراً من الشرح، أو كانت الأسئلة صعبة نوعاً او مرتبطة ببعضها. 3_ لا يصلح الاستبيان إذا كان عدد الأسئلة كثيراً لأن ذلك يؤدي إلى ملل المبحوثين وإهمالهم الإجابة على الأسئلة. 4_ تقبل الإجابات المعطاة في صحيفة الاستبيان على أنها نهائية وخاصة في الحالات التي لا يكتب فيها المبحوث اسمه، ففي مثل هذه المواقف لا يمكن الرجوع إليه والاستفسار منه عن الإجابات الغامضة أو المتناقضة أو استكمال ما قد يكون بالاستمارة من نقص. 5_ حينما يكون هدف البحث دراسة الاتجاهات والآراء الشخصية، فإن الاستبيان قد يؤدي للغرض المطلوب، إذ أن في استطاعة المبحوث أن يناقش الآراء المختلفة مع الآخرين ويتأثر بوجهة نظرهم. وبهذا لا تكون إجاباته معبرة عن رأيه الشخصي. 6_ يستطيع المبحوث عند إجابته لأي سؤال من أسئلة الاستبيان أن يطلع على الأسئلة التي تليه. فيربط بين السؤال الذي يجيب عنه وبين أسئلة المراجعة checking questions التي يقصد بها التثبت من صحة إجابة المبحوث وصدقه في إعطاء البيانات. وبهذا ينكشف أمر أسئلة المراجعة فلا تحقق الغرض الذي وضعت من أجله. 7_ لما كان الاستبيان يعتمد على التقرير اللفظي للشخص نفسه، فإن هذا التقرير قد يكون صادقاً أو غير صادق. ونظراً لعدم وجود الباحث مع المبحوث فإنه لا يستطيع أن يتحقق من صدق البيانات بملاحظة السلوك العام للمبحوث او بمشاهدة الظواهر التي تؤكد له صحة البيانات أو عدم صحتها. 8_ في غالب الأحيان يكون العائد من صحائف الاستبيان قليلاً ولا يمثل المجتمع تمثيلاً صحيحاً. فقد لا تتعدى نسبة العائد أكثر من 20% من المجموع الكلي لأفراد المجتمع. وفي هذه الحالة لا يستطيع الباحث ان يفسر النتائج في ضوء الردود التي وصلته، كما يصعب عليه أن يطلق حكماً على المجتمع بأكمله. وقد وجد في كثير من الدراسات أن صحائف الاستبيان التي تعود إلى الباحث تكون في غالب الأحيان متحيزة وخاصة إذا كان بعض الأفراد يهتمون بموضوع البحث أكثر من غيرهم ويرغبون ف ان تكون النتائج مؤيدة لوجهة نظرهم. وقد يعتقد البعض أنه لعلاج هذه المشكلة يمكن زيادة حجم العينة. غير أن تكبير العينة مع استبعاد المجموعة التي لم يحصل منها الباحث على البيانات المطلوبة لن يحل المشكلة في شيء. ويرى موسر moser ان زيادة نسبة الردود تتوقف على عوامل ثلاثة هي: 1_ الهيئة المشرفة على البحث وما تتمتع به من نفوذ. 2_ مادة البحث واهميتها بالنسبة للمبحوثين. 3_ نوع المجتمع الذي تجمع منه البيانات والمستوى العلمي الذي وصل إليه أفراده. ونود أن نلفت النظر في هذا المجال إلى ان الاستبيان غير البريدي لا يشترك مع الاستبيان البريدي في كل العيوب السابق ذكرها، لأن وجود الباحث أو من ينوب عنه مع المبحوثين يهيئ الفرصة لعلاج كثير من المشكلات السابقة. _ إعداد الاستبيان: يتطلب إعداد الاستبيان تصميم استمارة تجمع بمقتضاها البيانات المطلوبة. وتتضمن الاستمارة مجموعة من الأسئلة تتناول جميع الميادين التي يشتمل عليها البحث وتعطينا إجاباتها البيانات اللازمة للكشف عن الجوانب التي حددها الباحث. وكلما كانت الاستمارة دقيقة توافرت لها أسباب النجاح. وأمكن للباحث أن يحصل على البيانات التي يرغب في الحصول عليها. ونظراً لأهمية الاستمارة، ولتشابه الأسس التي يقوم عليها بناء استمارة الاستبيان مع الأسس المستخدمة في بناء استمارة المقابلة، فقد رأينا أن نؤجل مناقشة بناء الاستمارة وصياغتها واختيارها إلى فقرة تالية. ثانياً المقابلة "الاستبار": تستخدم المقابلة في كثير من مجالات الحياة. فالباحث الاجتماعي يستخدم المقابلة كأداة لجمع البيانات، ورجل الاعمال والطبيب ورجل الدين والقاضي ورجل البوليس والصحفي والمدارس والمحامي والإخصائي النفسي والإخصائي الاجتماعي. كل هؤلاء يستخدمون المقابلة للاستفادة بها في التوجيه أو التشخيص أو العلاج. ويختلف الهدف من المقابلة من مجال إلى آخر. ورغم ذلك فإن أسلوب المقابلة، والأسس السيكولوجية التي تقوم عليها والظروف التي ينبغي أن تتوافر لها لتحقيق أغراضها تكاد تكون واحدة بالنسبة لجميع المقابلات أياً كان نوعها. ولذا فإن كثيراً مما نعرضه عن المقابلة في هذا المجال يمكن الاستفادة به ليس فقط في مجال البحث الاجتماعي، ولكن في مختلف المجالات التي تستخدم فيها المقابلة. _ تعريف المقابلة: تستخدم كلمة "الاستبار" بدلاً من كلمة "المقابلة" ويرجع ذلك إلى الأصل اللغوي للكلمة، فالاستبار من سبر وأسبر واستبر الجرح أو البئر أو الماء أي امتحن غوره ليعرف مقداره: واستبر الامر جربه واختبره. ويعرف بنجهامbingham المقابلة بأنها "المحادثة الجادة الموجهة نحو هدف محدد، غير مجرد الرغبة في المحادثة لذاتها" وينطوي هذا التعريف على عنصرين رئيسيين هما: 1_ المحادثة بين شخصين أو أكثر في موقف مواجهة، ويرى بنجهام أن الكلمة ليست هي السبيل الوحيد للاتصال بين الشخصين، فخصائص الصوت، وتعبيرات الوجه، ونظرة العين والهيئة، والايماءات، والسلوك العام، كل ذلك يكمل ما يقال. 2_ توجيه المحادثة نحو هدف محدد. فالمقابلة تختلف عن الحديث العادي في ان الحديث قد لا يستهدف شيئاً، أو قد يرمي الانسان من ورائه إلى تحقيق لذة يجتنبها من حديثه إلى الآخرين. أما المقابلة فهي محادثة جادة موجهة نحو هدف محدد. ووضوح هذا الهدف شرط أساسي لقيام علاقة حقيقية بين القائم بالمقابلة وبين المبحوث. ويعرف انجلش، انجلش English, English المقابلة بأنها المحادثة موجهة يقوم بها شخص مع شخص آخر أو أشخاص آخرين، هدفها استثارة أنواع معينة من المعلومات لاستغلالها في بحث علمي أو للاستعانة بها في التوجيه والتشخيص والعلاج. وتعريف انجلش لا يختلف عن تعريف بنجهام في تحديده لخصائص المقابلة إلا انه يتميز عليه في تحديد الأهداف الأساسية للمقابلة وهي: 1_ جمع الحقائق لغرض البحث. 2_ الاستفادة بها في التوجيه والتشخيص والعلاج. وتعرف جاهودا المقابلة بأنها: " التبادل اللفظي الذي يتم وجهاً لوجه بين القائم بالمقابلة وبين شخص آخر أو أشخاص آخرين. ويشترك هذا التعريف مع التعريفين السابقين في تحديده للتفاعل اللفظي الذي يتم بين القائم بالمقابلة وبين المبحوث، وكذلك في تحديده لموقف المواجهة، إلا انه لا يشير إلى الهدف من المقابلة كما أشار التعريفان السابقان. أما ماكوبي وماكوبي maccoby, maccoby فإنهما يعرفان المقابلة بانها "تفاعل لفظي يتم بين شخصين في موقف مواجهة حيث يحاول أحدهما وهو القائم بالمقابلة أن يستثير بعض المعلومات أو التعبيرات لدى المبحوث، والتي تدور حول آرائه أو معتقداته". وهذا التعريف يقتصر على تحديد المقابلة كما يستخدم في البحث الاجتماعي فقط، فهو يجعل الهدف من المقابلة هو مجرد استثارة المعلومات أو التعبيرات التي تدور حولها آراء ومعتقدات المبحوث. ومن العرض السابق لتعريفات المقابلة يمكن أن نحدد الخصائص الجوهرية للمقابلة فيما يلي: 1_ التبادل اللفظي الذي يتم بين القائم بالمقابلة وبين المبحوث، وما قد يرتبط بذلك التبادل اللفظي من استخدام تعبيرات الوجه ونظرة العين والهيئة والايماءات والسلوك العام. 2_ المواجهة بين الباحث والمبحوث. 3_ توجيه المقابلة نحو غرض واضح محدد. وهذا الغرض يجعلها تختلف عن الحديث العادي الذي قد لا يهدف إلى تحقيق غرض معين. _ مزايا المقابلة: 1_ للمقابلة أهميتها في المجتمعات التي تكون فيها درجة الامية مرتفعة. فالمقابلة لا تتطلب من المبحوثين أن يكونوا مثقفين حتى يجيبوا على الأسئلة حيث ان القائم بالمقابلة هو الذي يقوم بقراءة الأسئلة. 2_ تمييز المقابلة بالمرونة. فيستطيع القائم بالمقابلة أن يشرح للمبحوثين ما يكون غامضاً عليهم من أسئلة، وأن يوضح معاني بعض الكلمات. 3_ تتميز المقابلة في انها تجمع بين الباحث والمبحوث في موقف مواجهة وهذا الموقف يتيح له فرصة التعمق في فهم الظاهرة التي يدرسها، وملاحظة سلوك المبحوث. فيستطيع الباحث مثلاً عن طريق مقابلته لأفراد الاسرة أن يقف على مدى التفاهم بين الزوج والزوجة، وأن يلحظ العلاقات المتبادلة بين أفراد الاسرة كما يستطيع أن يجمع بين بيانات عن بعض الظواهر دون توجيه أسئلة قد تبدو محرجة، وقد يكون لها أثرها في المبحوثين فيرفضون التعاون مع الباحث، هذا بالإضافة إلى أن المقابلة تساعد الباحث على الكشف عن التناقض في الإجابة ومراجعة المبحوث في تفسير أسباب التناقض. 4_ إذا أراد الباحث أن يوجه أسئلة كثيرة إلى المبحوثين، ففي استطاعته أن يقنعهم بالأهمية العلمية والعملية للبحث وما يمكن أن يستفيده المجتمع من ورائه، وبهذا يكسب معونتهم ويضمن استجابتهم للبحث. 5_ توجه الأسئلة في المقابلة بالترتيب والتسلسل الذي يريده الباحث، فلا يطلع المبحوث على جميع الأسئلة قبل الإجابة عليها كما قد يحدث في الاستبيان. 6_ تضمن المقابلة للباحث الحصول على معلومات من المبحوث دون ان يتناقش مع غيره من الناس أو يتأثر بآرائهم. وبذا تكون الآراء التي يدلي بها المبحوث أكثر تعبيراً عن رأيه الشخصي. 7_ يغلب أن تحقق المقابلة تمثيلاً أكبر وأدق للمجتم لأن القائم بالمقابلة يستطيع الحصول على بيانات من جميع المبحوثين خصوصاً إذا أحسن عرض الغرض من البحث عليهم، واختيار الوقت المناسب للاتصال بهم. 8_ يحصل القائم بالمقابلة على إجابات لجميع الأسئلة. وإذا كانت الإجابات ناقصة فإنه يستطيع الاتصال بالمبحوثين ويقوم بمقابلة ثانية وثالثة حتى يحصل على البيانات المطلوبة. _ عيوب المقابلة: 1_ تتعرض النتائج التي يحصل عليها القائم بالمقابلة إلى أخطاء شخصية راجعة إلى نواحي التحيز bias التي تتعرض لها التقديرات والتفسيرات الشخصية إن كانت خطة البحث تقتضي إصدار مثل هذه الأحكام. زيادة على ذلك فإن المقابلة تعكس الاستجابات الانفعالية للقائم بالمقابلة والمبحوث واتجاه كل منهما نحو الآخر. وقد أوضح سيتوارت رايس stuart rice في دراسة له الاخطار الخفية الكامنة في تحيزات القائم بالمقابلة واتجاهاته. وكانت الدراسة تحت عنوان "انتقال التحيز في المقابلة" ففي سنة 1913 أمر مكتب نيويورك للبر والإحسان بدراسة الخصائص الجسمانية والعقلية والاجتماعية لنحو ألفين من المعوزين الذين يطلبون مأوى في دار البلدية، وأجرى مقابلة اثنا عشر رجلاً متخصصون في الخدمة الاجتماعية استغرقوا فيها ساعات متعددة من كل ليلة لعدة أسابيع، وقد قسم المتقدمون بطريقة عشوائية حتى يتسنى لكل باحث أن يقابل عينة غير منتقاة من المجموعة الكلية. وكانت المقابلة تستغرق عشرين أو ثلاثين دقيقة توجه فيها أسئلة في أربع صفحات تتصل بالتاريخ الاجتماعي والمهني للشخص. وكشفت مراجعة البيانات التي حصل عليها الباحثون أن أنماطاً محددة من الإجابات تتواتر بالنسبة للمبحوثين الذين يقوم باحثون معينون بمقابلتهم. وبالرغم من أن كل قائم بالمقابلة كان باحثاً مدرباً إلا ان تفسيراته تأثرت بأحكامه الشخصية. وأظهر تحليل النتائج أيضاً أن تحيزات القائم بالمقابلة كانت تنتقل بواسطة عملية الإيحاء إلى المبحوثين، وكانت تؤثر في إجاباتهم. 2_ لما كانت المقابلة تعتمد على التقرير اللفظي للمبحوث، فإن الفرد قد لا يكون صادقاً فيما يدلي به من بيانات، فيحاول تزييف الإجابات في الاتجاه الذي يتوسم أنه يتفق مع اتجاه القائم بالمقابلة. 3_ تحتاج المقابلة إلى عدد كبير من جامعي البيانات الذين يتم اختيارهم وتدريبهم بعناية. وتتطلب عملية الاختيار والإعداد والتدريب وقتاً طويلاً، ونفقات كثيرة. 4_ كثرة تكاليف الانتقال التي يتكبدها القائمون بالمقابلة، وضياع كثير من الوقت في التردد على المبحوثين. 5_ في المقابلة كثيراً ما يمتنع المبحوث عن الإجابة على الأسئلة الخاصة أو الأسئلة التي يخشى أن يصيبه ضرر مادي أو أدبي إذا أجاب عليها. أما إذا كانت شخصيته غير معروفة للباحث فإنه قد يعطي بيانات اكثر صحة ودقة من تلك التي يعطيها للقائم بالمقابلة. ونود أن نشير في هذا المجال إلى أن العيوب التي ذكرناها لا تقلل كثيراً من أهمية المقابلة. ولا تدفع الباحث إلى التخلي عن المقابلة كأداة هامة من أداوت جمع البيانات، بل أنها تدفعه إلى العمل على زيادة درجة ثبات وصدق البيانات التي يحصل عليها وذلك بتخطيط المقابلة بحيث تتكيف والهدف المرجو منها. واتخاذ الاحتياطات اللازمة لإكساب المقابلة قيمتها المنهجية التي نعزوها لها. _ أنواع المقابلات: للمقابلة أنواع كثيرة وتصنيفات متعددة. وتختلف هذه الأنواع بعضها عن بعض من حيث شكلها وموضوعها ومجالها. على أن من الممكن تصنيفها على النحو التالي: (أ)من حيث الغرض: تنقسم المقابلات إلى الأنواع التالية: 1_ المقابلة لجمع البيانات: ويقصد بها المقابلة التي يقوم بها الباحث لجمع البيانات المتعلقة بموضوع البحث. وغالباً ما تكون هذه البيانات من النوع الذي يصعب الحصول عليه بطريق الملاحظة او تكون ذات صلة وثيقة بمشاعر الافراد ودوافعهم وعقائدهم واتجاهاتهم. وتستخدم المقابلة في الدراسات الاستطلاعية بقصد التعرف على اهم الحقائق المتعلقة بالمشكلة، وتحديد الفروض التي يمكن وضعها تحت الاختبار، وتستخدم أيضاً في مرحلة الاختبار القبلي لبعض أجزاء البحث وخاصة بالنسبة لتصميم الاستمارة، كما تستخدم أيضاً في الدراسات الوصفية والسببية للتحقق من صحة الفروض التي يضعها الباحث. هذا ويتجه العاملون في مختلف المهن إلى إجراء مقابلات دراسية يهدفون من ورائها إلى جمع البيانات والحصول على المعلومات المتعلقة بالأشخاص والمواقف المحيطة به. 2_ المقابلة التشخصية: يستخدم الطبيب والاخصائي النفسي والاخصائي الاجتماعي هذا النوع من المقابلة في تشخيص حالات العملاء من المرضى وذوي المشكلات. وتهدف هذه المقابلات إلى التعرف على العوامل الأساسية المؤثرة في المشكلة التي يعاني منها العميل، وتحديد الأبعاد الأساسية للمواقف المحيطة به. 3_ المقابلات العلاجية: يقصد بها المقابلة التي تهدف إلى رسم خطة لعلاج العميل وتخفيف حدة التوتر الذي يشعر به مع الاستفادة من إمكانيات المجتمع. وينبغي الإشارة إلى أن المقابلات التي تجري بقصد الدراسة أو التشخيص أو العلاج تتداخل فيما بينها تداخلاً تاماً بحيث يصعب إقامة الحدود الفاصلة بينها. والقائم بالمقابلة حينما يجري مقابلات من أي نوع لا يحاول أن يقيم حدوداً صناعية بين الأنواع الثلاثة، كل ما في الأمر انه يقوم بإبراز هدف واحد في كل خطوة من خطوات العمل. فتتسم مقابلاته الأولى بسمة الدراسة، بينما تتسم مقابلاته التالية بسمة التشخيص، في حين أن مقابلاته الأخيرة تتسم بسمة العلاج. (ب) من حيث عدد المبحوثين: يمكن تقسيم المقابلات إلى النوعين التاليين: 1_ المقابلة الفردية: وهي التي تتم بين القائم بالمقابلة وبين شخص واحد من المبحوثين، ويتطلب هذا النوع كثيراً من النفقات والوقت والجهد، ورغم ذلك فهو النوع الأكثر شيوعاً في الدراسات النفسية والاجتماعية. 2_ المقابلة الجماعية: وهي التي تتم بين الباحث وبين عدد من الأفراد في مكان واحد ووقت واحد. ويستخدم هذ النوع منم المقابلة لتوفير الوقت والجهد وللحصول على معلومات أوفر، ذلك لأن اجتماع عدد من الأفراد يساعدهم على تبادل الخبرات والآراء وتذكر التفاصيل التي قد تغيب عن أذهان بعض الأفراد إذا أجريت معهم مقابلات على المستوى الفردي، ثم أن وجود أفراد معاً يهيئ لهم فرصة المشاركة في المناقشات الجماعية والتعبير عن آرائهم. ومن الشروط الواجب توافرها في تكوين الجماعة ألا يكون حجمها كبيراً إلى الدرجة التي يتعذر فيها على بعض الأعضاء الاشتراك في المناقشات الجماعية، كما ينبغي أن يتوفر أكبر قدر ممكن من التجانس بين أعضاء الجماعة سواء من ناحية النوع أو السن أو المستوى الاقتصادي أو الثقافي. أما بالنسبة لسير المناقشة الجماعية فينبغي أن يأخذ القائم بالمقابلة في الاعتبار جميع الأفكار التي تثار حتى التي تبدو لأول وهلة تافهة أو بعيدة عن الموضوع لأنها قد تنفع في استشارة أفكار أخرى لدى أعضاء آخرين. وإذا كان بعض افراد الجماعة هادئين ساكنين بطبيعتهم أو ممن يشعرون بالعزلة أو الشعور بالاستعلاء، فإن على القائم بالمقابلة أن يخلق الحوافز التي تدفعهم إلى المناقشة وإبداء الرأي، وإذا أراد بعض الأعضاء احتكار المناقشة أو فرض آرائهم على المجموعة فعلى القائم بالمقابلة أن يعالج الامر بلباقته ليسمح للجميع بالمساهمة في الرأي، كما يجب عليه ألا يسمح بظهور معسكرات متضاربة في الرأي، أو وجود مناقشات جانبية بين فرد أو أكثر حتى لا تتشتت المجموعة فلا تؤدي المقابلة أهدافها، كما ينبغي ألا تشتمل المقابلة الجماعية على بعض الموضوعات المحرجة لبعض الأفراد حتى تفسير المقابلة في جو طبيعي. (ج)من حيث درجة المرونة في موقف المقابلة: تنقسم المقابلات من حيث درجة مرونتها إلى نوعين: 1_ المقابلة المقننة: وهي التي تكون محددة تحديداً دقيقاً. وينصب هذا التحديد عن عدد الأسئلة التي توجه إلى المبحوثين وترتيبها ونوعها إن كانت مقفولة أو مفتوحة. وعلى القائم بالمقابلة أن يوجه الأسئلة إلى جميع المبحوثين بنفس الأسلوب وبنفس الترتيب وبنفس الطريقة. وفي حالة وجود أسئلة مفتوحة فلا توجه إلا أسئلة التعمق والاستيضاح فقط. 2_ المقابلة غير المقننة: وهي التي لا تحدد أسئلتها أو فئات الاستجابات لهذه الأسئلة تحديداً سابقاً. وقد استخدم هذا النوع من المقابلة في البحوث الانثروبولوجية والفحوص الاكلينيكية السيكولوجية، ثم استخدم في مجال البحوث الاجتماعية للحصول على بيانات متعمقة عن الاتجاهات والدوافع الاجتماعية. ويتميز هذا النوع بالمرونة الكافية التي تسمح للقائم بالمقابلة بالتعمق في الحصول على المعلومات المتعلقة بالمبحوث والموقف المحيط به. كما أنه يسمح للمبحوث بالتعبير عن شخصيته تعبيراً حراً تلقائياً، وبقدر ما تكون استجابات المبحوث تلقائية بقدر ما تحقق المقابلة أهدافها. وتصلح المقابلات غير المقننة في الدراسات الاستطلاعية للوصول إلى الفروض التي يمكن اخضاعها بعد ذلك للاختبار المقنن. ونظراً لما تتميز به المقابلات غير المقننة من مرونة فإنها تحتاج إلى مهارة فائقة من جانب الباحث حتى يستطيع تحليل نتائج مقابلاته والمقارنة بينها. ويقصد بها ذلك النوع من المقابلة الذي يرتكز على خبرة معينة مر بها البؤرية و "المقابلة الاكلينيكية" و "المقابلة المرتكزة حول العميل". ونشير فيما يلي إلى هذه الأنواع بإيجاز. (أ)المقابلة البؤرية focused interview: ويقصد بها ذلك النوع من المقابلة الذي يرتكز على خبرة معينة مر بها المبحوث والآثار المترتبة على هذه الخبرة. فإذا كان هناك موقف معين أو مجموعة مواقف اشترك فيها المبحوثون كرؤية مسرحية أو الاشتراك في حشد أو قراءة رواية معينة، فإن الباحث يبدأ بتحليل المواقف تحليلاً مبدئياً للوقف على عناصره وتحديد بعض الفروض المؤقتة. ثم يحدد الموضوعات التي يرغب في دراستها، ويعد دليلاً للمقابلة interview guide يتضمن الجوانب الرئيسية التي سبق تحديدها دون أن يتضمن تحديداً دقيقاً للأسئلة لأن أسلوب السؤال وتوقيته يترك لتقدير القائم بالمقابلة. ومن الضروري أن تدور المقابلة حول الموضوعات التي حددها الباحث ولذا ينبغي على القائم بالمقابلة أن يقصر المناقشات على ما سبق تحديده وخاصة الخبرة الذاتية للأشخاص الذين تعرضوا للموقف للتأكد من تعريفهم الشخصي للموقف. وتساعد استجابات هؤلاء الأشخاص على اختبار الفروض، كما أن الاستجابات غير المتوقعة تؤدي إلى فروض جديدة يمكن اخضاعها للبحث العلمي المنظم. وكلما كان الباحث عارفاً بطبيعة الموقف الذي شارك فيه المبحوث. ازدادت قدرته على الإعداد لموقف المقابلة وفرض الفروض المبدئية عن الموضوعات التي يتضمنها. ويمكن أن تبدأ المقابلة بسؤال المبحوث عن الموقف الذي تعرض له، ثم التدرج في استطلاع استجاباته. ويمكن استخدام الأسئلة المفتوحة أو الأسئلة المقيدة. فيوجه القائم بالمقابلة سؤالاً مفتوحاً مثل: _ ما الذي أعجبك في المسرحية التي شاهدتها؟ أو يوجه سؤالاً مغلقاً مثل: هل تعتقد أن الممثلين: أ_ أدوا أدوارهم بنجاح؟. ب_ أم أنهم نجحوا على حد ما؟ ج_ أم أنهم فشلوا في التمثيل؟. (ب) المقابلة الاكلينيكية clinical interview: تختلف المقابلة الاكلينيكية عن المقابلة البؤرية في ان الأخيرة تهتم بخبرة معينة مر بها المبحوث، في حين أن المقابلة الاكلينيكية تهتم بمختلف الخبرات التي مر بها، فهي تدور حول جوانب الشخصية بأكملها لمحاولة الوقوف على المشكلات الخاصة بالتكيف الانفعالي، وغالباً ما تجمع بين غرض الدراسة والتشخيص والعلاج. وقد نجح الاخصائيون النفسيون الاكلينيكيون والأطباء الذين يعملون في مجال التشخيص العقلي والعلاج النفسي في معرفة الكثير عن العمليات العقلية التي تتفاعل أثناء المقابلة وبصفة خاصة ما يتعلق بالدوافع والحوافز وترابط الأفكار والكف الذي يعوق الصراحة ويؤدي إلى الوقوف حائلاً دون الافضاء بالحقائق. وتساعد المعرفة بهذه العملية على فهم طبيعة التحيز سواء لدى القائم بالمقابلة أو العميل. وتثير الطريق نحو فهم متبادل، وأقوال صادقة، وأحكام صريحة خالية من التحيز. ولا يكتفي في المقابلة الاكلينيكية بالتقرير اللفظي الذي يدلي به المبحوث. وإنما يهتم القائم بالمقابلة بملاحظة السلوك غير اللفظي لأهميته الكبرى في الكشف عن حالة العميل. وهناك أساليب مختلفة يمكن استخدامها في المقابلة الاكلينيكية، ويمكن الاطلاع عليها في المراجع التي تهتم بمثل هذه الموضوعات. (ج) المقابلة المتمركزة حول العميل: يعتمد هذا النوع من المقابلة على تشجيع العميل على التعبير عن مشاعره ودوافع سلوكه، والتحدث عن أي شيء يجول في خاطره بأقل قدر ممكن من التوجيه أو التساؤل. ويعتمد هذا النوع من المقابلة على منهج "كارل روجرز"، في العلاج النفسي الذي يقوم على تشجيع العميل على الافضاء بكل ما يجول في خاطره، والتعبير عن مشاعره تعبيراً حراص تلقائياً. وينبغي على القائم بالمقابلة أن يصغي جيداً لكل ما يقال، وأن يقول بعض التعليقات المختصرة التي تدفع العميل إلى مواصلة الحديث والاسترسال فيه كلما هم بالتوقف، مع تقبل كل ما يقال دون إصدار أحكام أخلاقية على العميل. _ كيفية إجراء المقابلة: لما كانت المقابلة تستخدم لجمع البيانات المتعلقة باتجاهات الأفراد وعقائدهم ودوافعهم ومشاعرهم نحو موضوعات معينة، معتمدة على التقرير الذاتي للمبحوث، في موقف مواجهة يقوم على التفاعل المستمر، والتأثير المتبادل بين شخصين كلاهما غريب عن الآخر، فإن نجاح المقابلة يتوقف إلى حد كبير على مهارة القائم بها، ومدى فهمه لدوافع السلوك، ومقدار وعيه بمختلف العوامل التي يمكن أن تدفع المبحوث إلى الوقوف موقفاً سلبياً من الباحث، أو إلى إعطاء بيانات محرفة لا تتسم بالصدق والثبات. ويجمع أغلب المشتغلين بالبحث الاجتماعي على أن المقابلة فن تحتاج إلى مهارة وخبرة وتدريب، وهذه المهارة والخبرة يمكن اكتسابها عن طريق الممارسة العملية وذلك بالنزول إلى الميدان، ومقابلة المبحوثين، والاحتكاك بهم مع الاستفادة بالحقائق العلمية التي توصل إليها علماء النفس والاجتماع وخاصة تلك التي تتعلق بدوافع السلوك، ومكونات الشخصية، وأساليب الاتصال والتأثير، وأنواع العلاقات الاجتماعية. وتفيض المراجع بكثير من النصائح والارشادات التي يمكن الاستفادة بها عند إجراء المقابلة، وهذه النصائح أغلبها مستمد من خبرات الباحثين الميدانيين ومن الحقائق العلمية عن السلوك ودوافعه، والاتصال وأساليبه. ونعرض فيما يلي بعضاً منها، لا ليلتزم بها الباحث إلتزاماً حرفياً، بل ليأخذ منها ما يتناسب مع الموقف الذي يواجهه، وليغير فيها حسب طبيعة البحث والظروف المحيطة به. 1_ استثارة الدافع للاستجابة: أن أول ما يسعى إليه القائم بالمقابلة هو استثارة الدافع لدى المبحوث للاستجابة. فالمبحوث يواجه شخصاً غريباً، لا تربطه به صلة سابقة، ويطلب إليه أن يدلي بيانات تتصل بشئون حياته الخاصة، وقد تكون من النوع الذي يقابل بشيء من التستر كما هو الحال عندنا في الريف المصري حينما يرغب الباحث في الحصول على بيانات عن عدد أفراد الأسرة مقسمين إلى ذكور وإناث، والعمر ونوع العمل والحالة الاجتماعية والزواجية والدخل بمقداره ومصادره. فما الذي يحفز المبحوث إلى الاستجابة، ويدفعه إلى التعاون مع الباحث. ليس من شك في ان درجة الاستعداد للاستجابة تختلف باختلاف الدور الذي يمثله القائم بالمقابلة، وباختلاف المجتمع الذي يجري فيه البحث، ونوع الثقافة السائدة فيه. فإن كان تقديم الباحث من قبل أصحاب السلطة فإن ذلك قد يشجع المبحوثين على الادلاء بالبيانات المطلوبة إذا كانوا يقدرون هذه السلطة ويحترمونها، وقد يدفعهم إلى الحذر إذا كان أصحاب السلطة لا يحتلون مكانة طبية في نفوس الأفراد، أو إذا كانت البيانات المطلوبة تتطلب تعبيراً عن رأي أو اتجاه يمس هؤلاء من قريب أو بعيد. وتشير كثير من البحوث التي أجريت في الخارج إلى أن الناس يهمهم لتكوين صلات مع الأشخاص الذين يمثلون مستويات اجتماعية أعلى من مستوياتهم اكثر مما يهمهم تكوين هذه الصلاب مع أشخاص في مراكز اجتماعية أدنى. فالأفراد من الطبقات العليا قد لا يرون فائدة كبيرة في التعبير عن آرائهم للقائم بالمقابلة، بينما يحرص الأفراد من الطبقات الدنيا على إبداء آرائهم والتعبير عن وجهات نظرهم. ويحدث في بعض المجتمعات ان يبدي الأفراد نوعاً من المقاومة للقائمين بالمقابلة، لأنهم يعتبرون المسائل التي يسألون عنها من الأمور التي لا يجوز أن يطلع عليها أي انسان بأي حال من الأحوال، في حين أن مثل هذه المسائل تعتبر أموراً عادية في مجتمعات أخرى، ولا يبدى الافراد أي نوع من أنواع المقاومة إذا سئلوا عنها، ويرجع ذلك بطبيعة الحال إلى ظروف المجتمع ونوع التقاليد والقيم والاتجاهات السائدة فيه. هذا ويتوقف الكثير على القائم بالمقابلة. ومدى فهمه للأشخاص الذين يواجههم ونوع العلاقة التي يستطيع أن يكونها معهم. والانطباع الذي يتركه في نفوسهم. وينبغي على القائم بالمقابلة أن يعمل على كسب ثقة المبحوثين، فيبدأ بمقدمة مختصرة عن الغرض من المقابلة، والطريقة التي تم اختيارهم بها، ويبين لهم أن البيانات المطلوبة سرية ولن تستخدم إلا لغرض البحث العلمي. وأن البحث يهدف إلى الوقوف على مجموع آراء الأفراد واتجاهاتهم دون البحث عن آراء فرد بذاته، كما ينبغي عليه الاستعداد لتقديم ما يثبت شخصيته إذا تطلب الامر ذلك. ومن الأمثلة التي اتبعت في بعض البحوث الميدانية التي أجريت بجمهورية مصر العربية ما قام به الأستاذ الدكتور حسن الساعاتي في بحثه عن التصنيع والعمران بمدينة الإسكندرية. فقد بدأت الإجراءات التمهيدية بالاتصال بمديري المصانع لتيسير لقاء القائمين بالمقابلة بالعمال، وفي الوقت ذاته أرسل مكتب العمل بالإسكندرية إلى مدير كل من الستين مصنع _التي وقع عليها الاختيار_ خطاباً دورياً يخطره فيه بطبيعة البحث وأهميته واسم القائم بالمقابلة، وعدد العمال الذين سيجري استبارهم "تجري المقابلة معهم" من مصنعه، وعندما ذهب القائمون بالمقابلة إلى المصانع، وجدوا في كل منها حجرة معدة لهم ليجروا فيها استبار العمال الذين كانوا يحضرون إليهم واحداً إثر الآخر تحت إشراف أحد المسئولين في المصنع. وعند بدء الاستبار كان القائم بالمقابلة يشرح للعامل الغرض من البحث بإيجاز. أما مدبرو الأعمال في هذه المصانع الستين فقد أظهروا بوجه عام اهتماماً بالبحث واحتفظ كل منهم بنسخة من استمارة البحث المطبوعة. وفي بحث آخر للدكتورين نجيب إسكندر إبراهيم ومحمد عماد الدين إسماعيل عن الاتجاهات النفسية والاجتماعية نحو العلاقات العائلية، أعدت التعليمات الآتية للقائمين بالمقابلة: 1_ ابدأ بمقدمة مختصرة عن الغرض من المقابلة، ولاحظ أن التطويل في المقدمة قد يستثير ريبة المبحوث، وأن أفضل بداية هي مثلاً " صباح الخير أنا طالب في الجامعة، ومطلوب مني أن أعرف شيء عن الحياة، والعائلات والأولاد وتربيتهم، ودي مهمة بالنسبة لي عشان الدراسة. والمسألة ان هناك شوية أسئلة راح أقولها وأنت تديني جواب عليها وأنا رايح اكتب الحاجات دي من غير ذكر أسماء ولا حاجة، وعلى الله ما يكنشي ده فيه أي تعب ليك". 2_ على القائم بالمقابلة ان يبين للمبحوثين أن فكرة أخذ رأي الناس عن هذه الأشياء مهمة للتعليم وليس لأي شيء آخر، وأن المسألة "مافيهاش ذكر أسماء ولا حاجة ولا فيش جواب صح أو جواب غلط، وإنما دي آراء تفيدنا معرفتها". 3_ تهيئة جو المقابلة: ينبغي ان يخصص للمقابلة الوقت المناسب مع تهيئة المكان والظروف المناسبة. ويقتضي الأمر في كثير من الأحيان أن تكون المقابلة مقصورة على كل من القائم بالمقابلة والمبحوث، لأن وجود أفراد آخرين قد يثير مخاوف المبحوث ويدفعه إلى العدول عن أقواله. ولتوضيح ذلك نضرب المثال التالي: جاء في التقرير الذي نشره المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية عن البغاء أن الباحثين صادفوا مشكلة مادية انحصرت في عدم وجود حجرة في مكتب حماية الآداب بالقاهرة يمكن تخصيصها لإجراء عملية الاستبار. ولذا كانت المقابلة تتم في الغرف المخصصة للقائمين بالعمل في مكتب الآداب، وكان يحدث أحياناً أن يدخل أحد رجال المكتب لأخذ شيء من مكتبه أو لإنهاء بعض أعماله. فكان ذلك يؤثر في موقف البغي ويثير الخوف في نفسها، وخاصة إذا ما كانت تدلي باعترافات عن ممارسة المهنة، حتى أن بعضهن كن يعدلن عما سبق أن ذكرنه وذلك خشية أن تؤخذ أقوالهن دليلاً لإدانتهن. وقد ذكر التقرير أيضاً أن استبار البغايا بمكتب حماية الآداب لم يكن يدفعهن إلى الاطمئنان. فالبغي أثناء تواجدها بالمكتب، تكون في موقف اتهام، ولذلك كانت تعد كل سؤال يوجه إليها بمثابة استيفاء لإجراءات التحقيق معها مهما قيل لها غير ذلك. ومن ثم فإنه كان طبيعياً أن تقف بعض البغايا موقف ريبة والحذر والإنكار في كل ما يدلين به من بيانات، سواء أكان ذلك بممارستها للبغاء بصفة خاصة، أو تاريخ حياتهن بصفة عامة. من هذا نستدل على أن من الضروري ان يعمل القائم بالمقابلة على الاجتماع بالمبحوث في غرفة منفردة بقدر الإمكان ضماناً لصحة البيانات والبعد بها عن عوامل الانحراف. وتشير أغلب البحوث الميدانية إلى أن إشاعة جو من التقبل وعدم الكلفة يؤدي إلى عدم ظهور توترات نفسية لدى المبحوث وإلى تحرره من الخوف والقلق. مثال ذلك ما جاء في تقرير تعاطي الحشيش من أن هيئة البحث كانت تحسن استقبال المفحوصين، وكانت تحاول الإقلال من الطابع الرسمي للجلسة، فكانت تقدم لهم السجائر أحياناً وكذلك كانت تقدم لهم بعض المشروبات، وأنها حرصت على أن تقلل من التوترات النفسية في جلسة الاستبار ما أمكن، وذلك عن طريق تنظيم خطوات المقابلة، والاستقرار على نمط معين في إلقاء الأسئلة. ومن النصائح التي يقدمها هايمان بهذا الصدد ما يأتي: 1_ حدد موعد المقابلة مع المبحوثين قبل القيام بها. 2_ خصص الوقت الكافي للمقابلة واجعل المبحوث يشعر بأنك متفرغ لمقابلته. 3_ دع المبحوث يتخير الجلسة المريحة قبل البدء في الأسئلة. 4_ تجنب إجهاد المبحوث بكل الوسائل الممكنة. 3_ توجيه الأسئلة: ينبغي ألا يبدأ القائم بالمقابلة بتوجيه أسئلة منصبة على الموضوع رأساً، فقد تثير بعض هذه الأسئلة جوانب الخوف والمقاومة لدى المبحوث. ويفضل أن تكون الأسئلة الأولى من النوع الذي يثير اهتمام المبحوث، تليها أسئلة متخصصة لها صلة وثيقة بموضوع البحث، ثم أسئلة أكثر تخصصاً، مع مراعاة أن يكون التدرج في توجيه الأسئلة متمشياً مع تدرج العلاقة الودية التي تنشأ بين القائم بالمقابلة وبين المبحوث. ولكي يحصل الباحث على الفائدة الكافية من المقابلة، ينبغي اجراؤها بطريق المناقشة، فلا تلقي الأسئلة بطريقة جامدة كما تلقي قطعة الاملاء، ويتطلب ذلك من القائم بالمقابلة أن يقرأ أسئلة الاستمارة قراءة دقيقة قبل ذهابه للمبحوث، وان يتدرب على طريقة ملئ الاستمارة من الميدان بتجربتها على بعض زملائه أو معارفه. وينبغي على القائم بالمقابلة أن يوجه الأسئلة برفق متجنباً أسلوب التحقيق ومراعياً حالة المبحوث. فقد يكون المبحوث من الأشخاص الذين يتكلمون ببطء شديد، أو من الذين يتكلمون بسرعة لدرجة أنهم يمضغون الكلمات. وفي مثل هذه الحالات يجب أن يمنح القائم بالمقابلة للشخص الذي أمامه الفرصة الكاملة التي تجعله يعطي ما يريد بسرعته الخاصة دون أن يستحثه على التأني أو الإسراع في الإجابة. هذا ولا يجب توجيه أكثر من سؤال في وقت واحد حتى يستطيع المبحوث أن يستجمع أفكاره بالنسبة لكل سؤال وأن ينظم إجاباته تنظيماً دقيقاً. وفي حالة استخدام المقابلة غير المقننة ينبغي توجيه الأسئلة بالطريقة التي يفهمها المبحوث. وقد يجد الباحث أنه من الأنسب تفتيت السؤال الواحد إلى جملة أسئلة ليتدرج في استخلاص البيانات من المبحوث حسب مستواه الثقافي. أما في المقابلة المقننة فمن الضروري توجيه الأسئلة بنفس الأسلوب وبنفس الترتيب لجميع المبحوثين. وإذا لم يفهم المبحوث المعنى المقصود من أحد الأسئلة فينبغي على القائم بالمقابلة أن يعيد السؤال بتأنٍ مع تأكيد بعض الأجزاء الهامة التي توضح المعنى دون أن يحاول تفسيره من عندياته، فإذا استمر المبحوث في عدم فهمه للسؤال، فيمكن الانتقال إلى السؤال الذي يليه. ويجب أن يظل القائم بالمقابلة ممسكاً بزمام المناقشة بحيث يوجهها إلى الناحية التي تحقق اهداف البحث دون أن يترك الامر للمبحوث يوجهه كيفما يشاء. 4_ الحصول على الإجابة: يحصل ان يسعى القائم بالمقابلة إلى الحصول على إجابات عن جميع الأسئلة، فإذا وجد أن المبحوث قد أجاب على السؤال في سؤال سابق فلا ينبغي أن يتخلى عن ذلك السؤال. فمثل هذا السؤال غالباً ما يوضع للتأكد من صحة الإجابة الأولى. أما إذا كانت الإجابة ناقصة فعليه أن يحاول استكمال المعلومات الناقصة والتي يرى أنها ضرورية للبحث. وإذا لم يجب المبحوث على أحد الأسئلة قائلاً: " لا أعرف"، فعلى القائم بالمقابلة أن يحاول معرفة العوامل التي تدفعه إلى عدم الإجابة. فقد يكون المبحوث حقاً لا رأي له في الموضوع، أو لا يكون قادراً على التعبير عن رأيه بالألفاظ أو يكون السؤال غير واضح. وعلى القائم بالمقابلة أن يميز بقدر الإمكان بين هذه الحالات وأن يتصرف في كل موقف بما يناسبه. فقد يجد أن من المناسب إعادة السؤال مبتدئاً بعبارة مثل "أنني لم أعبر لك تعبيراً كافياً عن السؤال". ثم يعيد السؤال ببطء مع تأكيد النقط الهامة. او بعبارة مثل " أن أشخاصاً كثيرين لا رأي لهم بشأن هذا الموضوع، لكني أرغب في معرفة رأيك الشخصي". أو بعبارة مثل " إن الإجابة التي تدلي بها ليس فيها صحيح وخطأ، ولكنها مسألة رأي". وإذا حاول المبحوث ان يسأل القائم بالمقابلة عن رأيه هو، فعليه أن يبتسم ممتنعاً قائلاً له: " إن مهمتي الآن أن أحصل على معلومات لا أن أدلي برأيي الخاص". ويجب أن يتجنب القائم بالمقابلة الإيحاء إلى المبحوث بإجابة معينة. وأن يجيد الإصغاء لكل ما يقوله، وأن يمنحه الفرصة الكاملة ليقول كل ما يريده بالصورة التي يريدها دون ان يخرج عن الموضوع. فإذا حدث واستطرد المبحوث خارجاً عن الموضوع، فما على القائم بالمقابلة إلا ان يعيده إلى الموضوع برفق ولباقة. وينبغي ألا يظهر القائم بالمقابلة نفوراً أو اشمئزازاً من المبحوث، وألا يظهر دهشة أو استنكار لما يقول، وألا يصدر عليه احكاماً خلقية، فوظيفة القائم بالمقابلة هي الحصول على بيانات من المبحوث دون أن يقف منه موقف الناقد أو الواعظ أو المحقق. ولكي يحصل الباحث على الفائدة الكاملة من المقابلة لابد من ملاحظة الأحوال الاجتماعية والاقتصادية للمبحوثين اثناء إجراء المقابلة ومطابقتها بما يحصل عليه من إجابات، ومن الضروري أيضاً ملاحظة سلوك المبحوثين وما يطرأ على هذا السلوك من تغير أثناء توجيه الأسئلة التي تلقي الإجابة عليها. ومن المستحسن أن ينظر القائم بالمقابلة إلى عملية جمع البيانات كأنها دراسة لطباع الناس، ودراسة الناس بما يصدر عنهم من سلوك حركي وسلوك لفظي هي من امتع الدراسات في الحياة. وبهذه الطريقة يمكن أن يتحول جمع البيانات من عملية روتينية آلية أولها مريح وآخرها متعب إلى عملية ممتعة أولها متعب وآخرها مريح. 5_ تسجيل إجابات المبحوثين: ينصح فريق من المنشغلين بمناهج البحث الاجتماعي بعدم تسجيل إجابات المبحوثين أثناء المقابلة لأن التسجيل من شأنه أن يثير مخاوف المبحوثين، ويدفعهم إلى الافتعال والتكلف، ويمنعهم من الانطلاق التلقائي في الإجابة، فلا يعبرون تعبيراً صريحاً عن آرائهم. ويرون أن واجب الباحث أن يكتفي بتسجيل الاسم والعنوان والسن والوظيفة وما إلى ذلك من بيانات أولية، ثم يعمد إلى استكمال البيانات وتسجيل الإجابات بعد انتهاء المقابلة. غير أننا لا ننصح بتأجيل تدوين الإجابات إلى ما بعد المقابلة. فقد أظهرت البحوث الميدانية المختلفة –سواء في جمهورية مصر العربية أو في الخارج أن معظم الاعتراضات التي سبق ذكرها وهمية ولا أساس لها من الصحة. فالخوف والتكلف وعدم الانطلاق من جانب المبحوثين، كلها أمور يمكن التغلب عليها في بداية المقابلة بخلق الظروف الملائمة لموقف المقابلة، وبإشاعة جو من السماحة والتقبل بين الباحث والمبحوث. هذا بالإضافة إلى أن تسجيل إجابات المبحوثين يشعرهم بجدية الموقف فيجعلهم يهتمون بالإجابة والتدقيق فيها. ومن ناحية أخرى فإن تسجيل إجابات المبحوثين يجعلهم يشعرون بأهميتهم لأن شخصاً ما يهتم بهم لدرجة أنه يكتب أقوالهم. ويلاحظ بوجه عام أن المبحوثين يعتبرون تدوين أقوالهم شيئاً طبيعياً وأمراً متوقعاً. وتشير كثير من البحوث إلى أن عدم تدوين إجابات المبحوثين وقت سماعها يؤدي إلى نسيان كثير من المعلومات وتشويه كثير من الحقائق. فقد أظهرت نتائج إحدى الدراسات أن التقارير التي تكتب بعد الانتهاء من المقابلة مباشرة تحتوي 39% فقط من مضمون الإجابات، والتقارير التي تكتب بعد المقابلة بيومين تحتوي على 30% من مضمون الإجابات، والتقارير التي تكتب بعد إجراء المقابلة بسبعة أيام تحوي على 23% من مضمون الإجابات. وقد تبين من إحدى الدراسات أن الباحثين الذين يكتبوا تقاريرهم عن المقابلة اعتماداً على الذاكرة كانوا يميلون إلى ربط بين نقاط لم يربط بينها المبحوثون ف إجاباتهم فعلاً. وعلى هذا فإن من الضروري تدوين إجابات المبحوثين بعد أن ينتهوا من أقوالهم مباشرة، وأن يتم ذلك على مرأى منهم، وأن يكون مطابقاً تماماً لما يتفوهون به ضماناً لدقة البيانات وسلامة النتائج التي يمكن الوصول إليها. ويمكن أن يتم تسجيل إجابات المبحوثين باستخدام وسائل متعددة ففي غالب الأحيان يستعين الباحث الاجتماعي باستمارة مقابلة. وكلما كانت الاستمارة مقننة ذات إجابات محددة، سهل على القائم بالمقابلة أن يدون إجابات المبحوثين لأن مهمته لن تنحصر إلا في وضع علامة (صح) أمام الاستجابة التي يتخيرها المبحوث. وإذا كانت هناك بعض الأسئلة المفتوحة النهاية فإنها لن تحتاج إلى كتابة كثيرة نظراً لقلة عددها. أما إذا كانت المقابلة حرة "غير مقننة" فينبغي تدوين كل ما يقوله المبحوث تدويناً حرفياً إلا في الحالات التي يمكن فيها الاستغناء عن بعض الكلمات التي لا تؤثر في سلامة المعنى. ومن الممكن الاستعانة بالاصطلاحات المختصرة في الكتابة أو باستخدام طريقة الاختزال. وإلى جانب استمارات المقابلة يمكن استخدام أجهزة التسجيل لتسجيل كل ما يقوله المبحوث. وقد يكون ذلك بعلم المبحوث أو بغير علمه. ويعارض كثيرون في إخفاء أجهزة التسجيل لأن ذلك يتعارض مع النواحي الأخلاقية التي يجب مراعاتها في مختلف مواقف البحث. ويناقش المركز القومي البحوث الاجتماعية والجنائية هذه النقطة في تقرير الحشيش الذي يقول " ونريد أن نناقش موضوع التسجيل الآلي الذي لجأت إليه الهيئة في بعض استباراتها. فقد قررت الهيئة أن تضع جهاز التسجيل واضحاً في قاعة الاجتماع، وكان يجري إعداده على مشهد من المفحوص، وكانت الهيئة تكتفي بذلك أحياناً كأنما هو امر مسلم به أن يوجد معنا هذا الجهاز كأداة من أدوات البحث، وأحياناً أخرى كانت تزيد على ان تستأذن المفحوص. ولم يحدث أن رفض أي شخص من المفحوصين تسجيل إجاباته. واستخدام جهاز التسجيل على هذا النحو يثير تساؤل البعض على النحو الآتي: ولماذا لا نخفي الجهاز بحيث لا يشعر المفحوص بوجوده، وبذلك نحفظ عليه تلقائيته وانطلاقه، غير أن الاقتراح يتعارض مع مقتضيات المسئولية الأخلاقية للباحث نحو مفحوصيه، وقد يؤدي إلى عواقب وخيمة بالنسبة لمستقبل البحث إذا ما عرف ذلك بعض المفحوصين، ولو على سبيل الظن دون اليقين. فإذا ادخلنا في حسابنا أن هذا النوع من البحوث العلمية الاجتماعية لا يزال في بداية طريقه في مجتمعنا ادركنا إلى أي مدى يمكن ان تعم هذه العواقب الوخيمة على مستقبل هذه البحوث جميعاً. وقد نبه "ماكوبي وماكوبي" على ضرورة مراعاة هذا الجانب الأخلاقي في استخدام آلات التسجيل الميكانيكي في جلسات الاستبار، كما نبها إلى أن محاولة بعض الباحثين إخفاء الآلة طوال جلسة الاستبار ثم إظهارها بعد ذلك للحصول على إذن من المفحوص قد يبدو كذلك عملاً لا أخلاقياً ويثير ثائرة المفحوص. وعلى هذا فإن من الضروري أن يهتم الباحث بتسجيل إجابات المبحوثين مباشرة تسجيلاً كتابياً أو آلياً. وعلى مشهد منهم، لتفادي الاخطار التي تترتب على التسجيل من الذاكرة وأهمها النسيان والتحريف. ثالثاً إعداد استمارة الاستبيان والمقابلة: تستلزم عملية جمع البيانات بطريق الاستبيان أو المقابلة إعداد خطة مفصلة للاهتداء بها عند جمع البيانات. وتكون هذه التفاصيل مكتوبة في شكل أسئلة وأمامها فراغات ليملأها المبحوث بنفسه أو يملأها الباحث بناء على مشاهداته الخاصة وعلى ما يدلي به المبحوثون من بيانات. ويستخدم بعض المشتغلين بالبحث الاجتماعي مصطلحات متعددة للتفرقة بيت استمارتي الاستبيان والمقابلة، فيطلقون على الأولى مثلاً مصطلح "صحيفة الاستبيان أو الاستخبار" بينما يطلقون على الثانية مصطلح " كشف البحث أو الاستمارة"، ولكننا نفضل إطلاق مصطلح واحد على كلتيهما وهو "استمارة" نظراً لعدم وجود فوارق جوهرية بين الاستمارتين ولا في طريقة إعداد كل منهما. وللتفرقة بينهما يمكن أن تقول: استمارة الاستبيان أو استمارة المقابلة "الاستبار". وسنحاول في هذا المجال أن نناقش القواعد الرئيسية التي تستخدم ف إعداد الاستمارة وطريقة صياغة الأسئلة وتسلسلها. _ خطوات إعداد الاستمارة: هناك عدة خطوات يجب اتباعها عند إعداد الاستمارة. وهذه الخطوات هي: 1_ تحديد نوع المعلومات التي يرغب الباحث في الحصول عليها. 2_ تحددي شكل الأسئلة والاستجابات والصياغة وتسلسلها. 3_ اختبار الاستمارة قبل تعميم تطبيقها على المبحوثين. 4_ تنسيق الاستمارة وإعدادها في صورتها النهائية. (1)تحديد نوع المعلومات المطلوبة: ينبغي تصميم استمارة البحث في ضوء الإطار العام لموضوع الدراسة. ومن الضروري أن يتم هذا التصميم بناء على خطة محكمة تضمن احتوائها على جميع النقط الرئيسية والفرعية التي يشتمل عليها البحث، كما يضمن تسلسل هذه النقط بطريقة منطقية. ويبدأ تصميم الاستمارة بتحديد الأبواب والميادين الرئيسية التي يتضمنها البحث، ثم توضع قائمة بالنقط التي يحتويها كل ميدان تمهيداً لوضع أسئلة متعلقة بكل نقطة من هذه النقاط. وينصح بعض المشتغلين بمناهج البحث الاجتماعي بأن يبدأ الباحث بدراسة كل ميدان من ميادين البحث مبتدئاً من الداخل إلى الخارج، أي أن يبدأ الباحث بخبرته الخاصة في تحديد الميادين التي تتضمنها مشكلة البحث، ثم باستشارة الزملاء والأصدقاء في نواحي المشكلة، ثم باستشارة الخبراء في الموضوع. وبعد أن ينتهي الباحث من تحديد الميادين العامة للاستمارة والنقط التي يمكن أن تشتمل عليها، ينبغي أن يتجه إلى تحديد عدد الأسئلة اللازمة لكل ميدان من الميادين، وينصح البعض أن يضع الباحث عشرة أسئلة لكل ميدان من هذه الميادين ويرتبها ترتيباً منطقياً متسلسلاً. ويسجل بجوار كل سؤال في الاستمارة مثل 3ج أو 4د او 7أ. وفي رأيي أنه ليس من الضروري أن يكون عدد الأسئلة متساوياً بالنسبة لكل ميدان بل ينبغي أن يتناسب عدد الأسئلة مع أهمية كل ميدان وما يمكن أن يحتويه من نقاط. ولتحديد نوع البيانات المطلوبة ينصح كثيرون بضرورة تخيل الباحث للنتائج الفعلية التي يمكن أن يحصل عليها. ومن أفضل الطرق لتحقيق ذلك أعداد مجوعة من الجداول التخيلية أو الصماء dummy tables وتتجلى أهميتها في حصر احتمالات الإجابة في أضيق الحدود وفي تحديد صيغة السؤال. ولتوضيح ذلك نضرب المثال التالي: نفرض أننا وضعنا إطار للبحث عن: الأحوال الاجتماعية التي تؤثر في الكفاية الإنتاجية للعامل المصري، وأننا فكرنا في النتائج التي يمكن الحصول عليها من سؤال خاص بحالة العامل المعيشية. هل يعيش بمفرده أم في داخل أسرة؟ فإننا نجد أن من الممكن الحصول على استجابات مختلفة. ومن الممكن تحليل النتائج التي يمكن الحصول عليها من العمال _وليكن عددهم 500 عامل_ في جدول كالآتي: الحالة المعيشية عدد العمال يعيش بمفرده مع أسرة مع أقارب مع أصدقاء مع آخرين المجموع 500 ولكي يتمكن الباحث من الحصول على مثل هذه النتيجة، كان لزاماً عليه أن يوجه السؤال التالي: مع من تعيش؟ ثم عليه ان يضع الاحتمالات المختلفة للإجابة بما يتفق مع الفئات التي حددها في جدول التخيلي ليختار المبحوث إحداها. 2_ تحديد الأسئلة وصياغتها وتسلسلها: _شكل الأسئلة: هناك نوعان من الأسئلة إحداهما يطلق عليه اسم الأسئلة المفتوحة النهاية "غير المقيدة" والآخر يطلق عليه اسم الأسئلة المقيدة أو المحددة structured ولكل نوع مزاياه وعيوبه. فالأسئلة المفتوحة لها فائدتها الكبرى إذا كان الميدان جديداً. وإذا أراد الباحث أن يسمح للمبحوث بالتعبير الحر التلقائي. فيترك له حرية التعبير عن مشاعره وانفعالاته. وفي كثير من الأحيان تعتبر الأسئلة غير المقيدة خطوة لازمة لعمل الاستمارات ذات الأسئلة المقيدة حتى تكون الأخيرة نابعة من واقع الحياة الاجتماعية وليس نتيجة التفكير الذاتي لباحث وحده. ومن عيوب الأسئلة المفتوحة أن كثيراً من البيانات المطلوبة قد لا يتيسر الحصول عليها من توجيه أسئلة مفتوحة، ذلك أن المبحوث قد يغفل الإجابة عن بعض النقط الهامة بالنسبة للبحث، فيستحيل في هذه الحالة المقارنة بين المبحوثين. ومن عيوب الأسئلة المفتوحة أيضاً أن البيانات التي يحصل عليها الباحث يصعب تحليلها إحصائياً. أما الأسئلة المحددة أو المقيدة فهي التي يطلب فيها الاستجابة بأحد المتغيرات المحددة مثل "نعم" أو "لا" أو "موافق" أو "لا أعرف". وقد تتدرج المتغيرات في كل سؤال من النفي المطلق إلى النفي المعتدل إلى التأييد المعتدل إلى التأييد المطلق. مثال ذلك: أوافق _أوافق نوعاً ما_ لا أدري_ لا أوافق نوعاً ما_ لا أوافق. وقد توضع قوائم إجابات متعلقة لك سؤال، وما على المبحوث إلا أن يضع خطأ تحت الرأي الذي يميل إليه أو علامة (صح) ليقرر بذلك اختياره وإجاباته. وتسمى هذه الأسئلة في بعض الأحيان بالأسئلة الانتخابية لأنها تستخدم غالباً في الدراسات التي تحاول التنبؤ بنتائج الانتخابات، ويستخدم هذا النوع من الأسئلة إذا كانت الاستجابات محدودة ومعروفة. ومن مزايا هذا النوع من الأسئلة أنها توجه ذهن المبحوث وجهة معينة بحيث تتفادى الاستطرادات التي لا مبرر لها والتي تستند احياناً إلى تداعيات سطحية. وهذا من شأنه أن يوفر كثيراً من الوقت والجهد ثم أنها تجعل الإجابة سهلة على المبحوث دون أن تحتاج الإحصائي للبيانات. ومن عيوبها أنها لا تسمح للمبحوث بأن يعبر عن نفسه تعبيراً حراً كاملاً. ويحاول البعض أن يجمع بين مزايا هذين النوعين. فيصممون الاستمارة بحيث تكون الأسئلة مفتوحة، ثم تقيد في الحالات التي يتوقعون فيها احتمال بعد الإجابة عن المطلوب. ومن أمثلة الأسئلة المفتوحة ما يأتي: 1_ ما أكثر مشكلة تتوقع أت تواجهها في عملك الجديد؟ 2_ ما هي في رأيكم الأسباب العامة المؤدية إلى انحراف بعض الطلاب؟ 3_ ما هي أهم الاقتراحات التي ترى إدخالها في المدرسة لمعالجة نواحي الانحراف التي أشرت إليها؟ ومن أمثلة الأسئلة المقيدة ما يأتي: 1_ أي الطبقات الاجتماعية تعتقد أنك تنتمي أليها؟ أ_ الطبقة الغنية () ب_ الطبقة فوق المتوسطة () ج_ الطبقة المتوسطة () د_ الطبقة دون المتوسطة () ه_ الطبقة الفقيرة () 2_ كيف تقضي إجازتك الأسبوعية؟ أ_ في المقهى () ب_ في نادي رياضي () ج_ في البيت () د_ في منظمة دينية () ه_ أماكن أخرى () 3_ هل أنت راض عن مسكنك؟ أ_ نعم () ب_ لا () 4_ في حالة الإجابة بالنفي: ما سبب عدم رضاك عن مسكنك؟ أ_ ضيق السكن () ب_ ارتفاع الايجاز () ج_ بعده عن العمل () د_ أسباب أخرى تذكر () وتفضل الأسئلة المفتوحة في الدراسات الاستطلاعية حيث يكون الميدان جديداً والاستجابات غير معروفة للباحث. ولذا فإنه يبدأ بعدد من الأسئلة المفتوحة ليكشف عن طريق إجابتها الميادين التي يمسها البحث ونوع الاستجابات اللازمة. أما في حالة معرفة جميع الاحتمالات الممكنة للإجابة فإن الأسئلة المقفلة تكون أفضل بكثير من الأسئلة المفتوحة. _ الأسئلة من حيث الصياغة والمضمون: هناك قواعد أساسية يجدر بالباحث مراعاتها بشأن صياغة الأسئلة. ونورد هنا أهم القواعد المتفق عليها لتكون بمثابة توجيهات وإرشادات للباحثين، ولمعرفة طبيعة الأخطاء التي يمكن أن يتعرض لها الباحث حتى يمكنه تلافيها. وهذه القواعد هي: 1_ يجب أن تكون لغة السؤال سهلة وبسيطة ومتمشية مع مستوى ثقافة المبحوثين. فأسلوب استمارة موجهة إلى طائفة من المثقفين يجب أن يختلف عن أسلوب استمارة موجهة إلى العمال والفلاحين. وفي حالة وجود عناصر تختلف في مستوياتها الثقافية يجب اختيار اللغة التي يفهمها أقل الناس ثقافة. وليس هناك ما يمنع من استخدام اللغة العربية البسيطة أو اللغة العامية. وقد استخدمت اللغة العامية. وقد استخدمت اللغة العامية في كثير من الاستمارات التي وضعت في جمهورية مصر العربية نظراً لانخفاض المستوى التعليمي بين كثير من فئات المجتمع. ففي بحث أجراه بعض طلبة بكالوريوس الخدمة الاجتماعية تحت إشراف. المؤلف والأستاذ سليمان مرزوق عن عمال التراحيل بمحافظة الدقهلية، حاول الباحثون مساعدة المبحوث على التعبير الحر عن رأيه دون تحرج أو تزمت أو اصطناع لهجة أو أسلوب معين يختلف عن الأسلوب الذي يستخدمه في حديثه العادي، فبدأوا بصياغة الأسئلة باللغة العربية البسيطة ثم قاموا بما يشبه الترجمة على اللهجة العامية ليفهمها جميع أفراد العينة. وهذه عينة من الأسئلة تعد تحويلها إلى العامية: 1_ ما نوع العمل السابق: كنت بتشتغل إيه؟ 2_ كم كان أجرك اليومي؟ كنت بتاخذ كم في اليوم؟ 3_ كم ساعة كنت تشتغل يومياً؟ كنت بتشتغل كم ساعة في اليوم؟ 4_ ما مصادر الدخل التي كنت تعتمد عليها أثناء التعطل؟ لما كنت بتتعطل كنت بتصرف منين؟ وفي بحث للدكتورين نجيب إسكندر إبراهيم ومحمد عماد الدين إسماعيل عن الاتجاهات الوالدية في تنشئة الطفل استخدام الباحثان اللهجة العامية في صياغة أسئلة الاستمارة. ولنضرب مثالا لنوع الأسئلة: 1_ ساعات الواحد يبقي عنده وقت فاضي ويبقي عاوز يقضيه في حاجة غير الشغل، إيه الحاجات اللي الواحد ممكن يعملها في وقت ده؟ 2_ فيه ناس لما تجيلهم ناس صحاب يخلوا الست "الجماعة" تقعد معاهم، إيه رأيك؟ موافق وإلا مش موافق؟ وفي بحث تعاطي الحشيش حاولت الهيئة أن تصوغ الاستمارة باللغة العربية البسيطة، إلا أنها بعد تجربة الاستمارة رأت أن من الضروري صياغة أسئلة الاستمارة باللهجة العامية تماماً ليفهمها جميع أفراد العينة. وقد وضعت الهيئة قامة بالكلمات العربية بعد تحويلها إلى العامية منها: هل = ياترى؟ ماذا = إيه؟ ما سبب = إيه أو إيه السبب؟ الأرق = بتقلق بالليل؟ رئيس = ريس. باهت = بهتان. وتنصح الهيئة التي أشرفت على بحث تعاطي الحشيش بأنه لا يكفي أن يجلس الباحث إلى مكتبه ويقوم بعملية الترجمة إلى العامية، فهناك ألفاظاً كثيرة لا يشيع استخدامها إلا داخل فئات اجتماعية معينة، ولذا لابد من التجريب المباشر للألفاظ حتى يتمكن اختيار الكلمة المناسبة التي تنقل المعنى الذي يقصده الباحث إلى المبحوث بأوضح صورة ممكنة. 2_ يجب ألا تشتمل الأسئلة على وقائع شخصية أو محرجة دون أن تكون هناك فرصة للمناقشة بين الباحث والمبحوث لشرح الهدف من هذه الأسئلة بنوع خاص، وإعطائه الضمانات الكافية للتأكد من أن البيانات التي سيدلي بها ستظل سرية ولن تستخدم إلا لغرض البحث العلمي. 3_ يجب صياغة الأسئلة بطريقة لا توحي بإجابة معينة فلا نقول: اظنك مواقف على كذا؟ بل نقول: ما رأيك في كذا؟ كما يجب أن نبتعد عن الأسئلة التي تدفع المبحوث على الادعاء، فلا نقول له: أظنك تذهب إلى المسجد أو الكنيسة بانتظام؟ بل يستحسن أن نسأله: هل لديك وقت الذي يسمح لك بالذهاب على المسجد أو الكنيسة؟ ولاسلوب السؤال تأثير كبير في النتائج التي يحصل عليها الباحث. ومن الدراسات الكلاسيكية في هذا المجال الدراسة التي أجراها السوكيولوجي الإنجليزي "مسكيوmuscio" فقد أراد أن يقيس دقة البيانات التي يحصل عليها بالإجابة عن أسئلة متنوعة الأساليب. وكانت الأسئلة ذات ثمانية أنماط. فبعضها يحتوي على على أداة معرفة مثل: هل رأيت ال.....؟ وبعضها الآخر لا يحتوي على أداة معرفة مثل: ألم ترى........؟ إلى غير ذلك من أنماط. وقد وجد أن الإجابات التي يحصل عليها تختلف باختلاف النمط الذي يوضع فيه السؤال. وعلى هذا فإن من الضروري مراعاة الدقة التامة في صياغة الأسئلة. 4_ يجب ألا تكون صيغة السؤال قابلة للتأويل حتى يفهم المبحوث المعنى الذي يقصده الباحث دون غيره. 5_ يجب الابتعاد عن الأسئلة المزدوجة، فلا نقول: هل أنت طالب وموظف؟ أو هل انت راض بحالتك أم غير راض؟ فقد تأتي الإجابة عليها بنعم أو لا. فلا يكون لهذه الإجابة معنى. ولذلك يحسن أن نذكر احتمالات الإجابة منفصلة، ويترك لمبحوث أمر الاختيار بينها بما يلائمه. 6_ عند السؤال عن شيء يمكن قياسه فيجب الابتعاد عن الأسئلة الكيفية كلما أمكن استخدام مقاييس كمية. فلا نسأل عن الوقت الذي يستغرقه في الوصول إلى العمل بأنه طويل أو قصير، بل نسأل عن الزمن بالساعات أو بالدقائق، ولا نسأل عن الحرارة إذا كانت معتدلة أو مرتفعة أو منخفضة، بل نسأل عن درجة الحرارة. وبالمثل إذا سألنا عن طول شارع أو التهوية في المنزل وهكذا. 7_ إذا كانت الأسئلة من النوع المحدد. فيجب إعطاء جميع الإجابات المحتملة عليها، وفي حالة عدم التأكد من أن الإجابات لا تمثل جميع الاستجابات الممكنة، ينبغي إضافة جملة: بيانات أخرى تذكر. 8_ يجب أن يكون الباحث متأكداً من أن لدى المبحوثين المعلومات أو الآراء التي يستطيعون الإجابة بواسطتها على الأسئلة. وفي حال احتمال عدم معرفتهم الإجابة ينبغي اعطاؤهم فرصة للتعبير عن ذلك بأن توضع في السؤال خانة: لا أعرف. 9_ يجب صياغة بعض الأسئلة بأكثر من صياغة للتأكد من صحة الإجابات التي يدلي بها المبحوث، ويعرف هذا النوع من الأسئلة باسم أسئلة المراجعة. فالسؤال عن السن قد يعززه سؤال آخر عن تاريخ الميلاد، أو عن السن وقت الزواج ومدة الحياة الزوجية. على أنه يستحسن أن تصاغ أسئلة المراجعة بشكل يخفي مغزاها الحقيقي، كما يحسن الا تتلو بعضها بعضاً. 10_ ينبغي ألا تتطلب الأسئلة من المبحوث تفكيراً عميقاً أو القيام بعمليات حسابية معقدة. فليس من المعقول أن يطلب إلى المبحوث تقرير المصروفات موزعة على المأكل والملبس في سنة مثلاً، وإنما تؤخذ فترة زمنية محددة ولتكن إسبوعياً أو شهراً. 11_ يجب أن يحدد الباحث نوع الإجابة المطلوبة من المبحوث: هل المطلوب منه وضع علامة معينة، أو الإجابة بكلمة، أو يترك المبحوث ليعبر عن رأيه بحرية؟ وإذا كان المطلوب وضع علامة معينة فلا ينبغي أن تصاغ الأسئلة بحيث يوضع أمام كل سؤال: ضع علامة (صح) أما الإجابة التي تعبر عن وجهة نظرك، بل يكتفي بوضعها في بداية الاستمارة. 12_ يجب أن تكون الأسئلة محدودة العدد بقدر الإمكان وبالصورة التي تخدم أغراض البحث فقط، ولذا يجب الاستغناء عن كافة الأسئلة التي لا يستفاد من نتائجها. _ تسلسل الأسئلة: يجب أن تتدرج الأسئلة بحيث تساعد تدرجها على إثارة اهتمام الأفراد الذين يجيبون عنها. وأن يكون ترتيبها متمشياً مع تدرج العلاقة الودية بين الباحث والمبحوث وخاصة في مواقف المقابلة. ومن الأساليب المعروفة في تسلسل الأسئلة ما يسمى بالترتيب القمعي funnel approach وذلك بأن يبدا الباحث بتوجيه سؤال عام جداً وغير مقيد ويليه بعد ذلك أسئلة تضيق وتتخصص بالتدريج. ويجب ان نتابع الأسئلة في تسلسل منطقي حتى يتسنى للأفراد البحث أن ينظموا أفكارهم. ويجب تقسيم الأسئلة إلى مجموعات متناسقة توضع لها عناوين فرعية وخاصة إذا كان البحث متشبعاً ويشمل أكثر من ظاهرة واحدة. ويجب أن تعطي الأسئلة أرقاماً مسلسلة حتى يمكن الاستدلال على أي سؤال بسهولة. 2_ اختبار الاستمارة قبل تعميم تطبيقها على المبحوثين: ينبغي قبل النزول إلى الميدان أو إرسال الاستمارات لأفراد البحث تجربة الاستمارة على مجموعة منهم مع مراعاة أن تكون المجموعة المختارة من الناس متفقة في خواصها وصفاتها مع افراد البحث لكي يصح الاسترشاد بإجاباتهم في حذف أو توضيح بعض الأسئلة إذا ما اقتضى الامر ذلك. وترجع أهمية اختبار الاستمارة قبل تعميمها على المبحوثين على ما يأتي: 1_ تحديد درجة استجابة المبحوثين للبحث بصفة عامة وللاستمارة على وجه الخصوص. 2_ تحديد طول الاستمارة والزمن الذي يستغرقه الباحث في ملئها. 3_ تحديد صعوبات اللغة ومعرفة ما إذا كانت الالفاظ والعبارات في مستوى فهم المبحوثين أم لا. 4_ الوقوف على الأثر الذي يحدثه تتابع أسئلة الاستمارة لإرجاء بعض الأسئلة التي تبدو أنها محرجة إلى أجزاء أخرى من الاستمارة. ويستحسن ان يتم هذا الاختبار بطريق المقابلة الشخصية لملاحظة سلوك الأفراد وقت الإجابة ومناقشتهم في بعض الأسئلة والاستفادة من الملاحظات التي يبدونها. وإذا قام الباحث بهذه التجربة فإن هناك دلائل على اشتمال الأسئلة على نواح تحتاج إلى تعديل. وأهم هذه الدلائل ما يأتي: 1_ عدم انتظام توزيع الإجابات على الأسئلة، فالإجابات التي لا يمكن تجميعها في رتب ومجموعات والتي لا تتبع نظاماً معقولاً عادة ما تكون نتيجة لعيب أو عيوب في نظام الأسئلة. 2_ قد يحصل الباحث على استجابة واحدة لا تتغير من جميع أفراد العينة رداً على سؤال من أسئلة الاستمارة. ومثل هذه الأسئلة يجب اسقاطها أو تعديلها. 3_ إذا كثرت الاستجابات المحايدة أو من نوع "غير متأكد" أو "لا أعرف" دل ذلك على أن السؤال المستخدم يحتاج إلى تعديل أو حذف. وقد يكون سبب ذلك أنه يمس مشكلة صعبة الحل، أو أن السؤال غامض غير محدد، أو أنه يمس ناحية لا يرغب الأفراد في الإفصاح عنها. 4_ إذا امتنع كثيرون عن الإجابة فقد يكون ذلك نتيجة لطريقة صياغة الأسئلة، وعلى الباحث أن يعدلها ويجربها من جديد. 5_ قد تكون هناك تعليقات كثيرة على الاستمارة في الوقت الذي تكون فيه الأسئلة من النوع المقيد. 6_ إذا اختلفت النتائج التي يحصل عليها الباحث بتغيير ترتيب الإجابات المعطاة دل ذلك على أن الأسئلة تحتاج إلى تعديل. وبعد تجربة الاستمارة ينبغي تعديل الأسئلة بما يتلاءم النتائج التي أسفرت عنها بالتجربة. وإذا كانت التعديلات جوهرية في تصميم الاستمارة أو في صياغة أسئلتها، فإن من الواجب إعادة اختبارها إلى أن تصبح وحداتها منسجمة وقادرة على التمييز وتقيس ما يجب قياسه فعلاً وتكون عباراتها قد مرت في سلسلة من التهذيب والتعديل عن طريق اختيار أصلحها وأدقها وأكثرها تحقيقاً لغرض البحث. 4_ تنسيق الاستمارة وإعدادها في صورتها النهائية: بعد أن تنتهي الباحث من الخطوات السابقة تكون الاستمارة قد مرت في سلسلة من التهذيب والتعديل تجعلها أداة صالحة لتحقيق أغراض الحث. ولكي تكتمل الفائدة لابد من العناية بتنسيق الاستمارة، وإعدادها بطريقة مشوقة تثير اهتمام المبحوثين وتحفزهم على الاستجابة وتدفعهم إلى التعاون مع الباحث. ويتطلب الاستبيان اهتماماً أكبر بتنسيق الاستمارة، لأن الباحث او من ينوب عنه يتولى بنفسه شرح الغرض من البحث في موقف المقابلة، وهو الذي يملؤها بنفسه، أما في الاستبيان وخاصة الذي يرسل بالبريد، فإن المبحوث يحكم على البحث بما يراه. وهو في تلك الحالة لا يرى إلا الاستمارة التي تتولى مهمة التعريف بالبحث والقائمين به. فإذا كان إعدادها محكماً، وشكلها العام مناسباً، وطريقة عرضها منسقة، زاد إقبال المبحوثين على الاستجابة، وكثرت نسبة الردود. ولتنسيق الاستمارة وإعدادها في صورتها النهائية ينبغي اتباع ما يأتي: 1_ يجب أن يكون حجم الاستمارة مناسباً ونوع الورق جيداً يمكن الكتابة عليه بالحبر أو بالقلم أو باستخدام الآلة الكاتبة، ويمكن تداوله بين الباحثين والمبحوثين والمرمزين دون أن يفقد شكله أو يتمزق. كما يجب أن تكون الاستمارات ذات أحجام متساوية وذلك لتسهيل وتبسيط الأعمال المكتبية الخاصة بتصنيف البيانات من جانب وحفظ الاستمارات وتداولها من جانب آخر. 2_ لوحظ أن ألوان الورق المستخدم في الاستبيان وألوان الكتابة مما يؤثر في وضوح الأسئلة ويشجع المبحوثين على الإجابة. وقد أظهرت التجارب أن اللون الأسود على الأرضية الصفراء يعتبر من الدرجة الأولى لترتيب الوضوح في القراءة، يليه اللون الأخضر على الأرضية البيضاء، أما اللون الأسود على الأرضية البيضاء فيأتي في المرتبة السادسة من مراتب الوضوح في القراءة، ويعتبر اللون الأحمر على الأرضية الخضراء أقل درجات الوضوح إذ ظهر أن ترتيبه الثالث عشر والأخير في مراتب الوضوح في القراءة. 3_ إذا كانت الاستمارة مكونة من عدة صفحات فيفضل أن تكون على شكل كراسة، وإذا استدعي الامر ثني الاستمارة فيجب أن يكون ذلك في أماكن غير مخصصة للإجابة. 4_ في حالة ما إذا كان الباحث يرغب في المقارنة بين استجابات مجموعات من الأفراد فيفضل وضع علامات مميزة على الاستمارات لتسهيل التعرف على كل فئة منها، ومن أمثلة هذه العلامات تلوين أطراف الاستمارات وتثقيب إحدى الزوايا ووضع أرقام تحت أطرافها واستخدم حرف ابجدي لكل منها واستخدام شعار معين أو صورة رمزية لكل فئة. 5_ في الاستبيان البريدي يفضل أن يكون طلب الإجابة على أسئلة الاستمارة في شكل خطاب موجه إلى المبحوث. ويحدد فيه الباحث عنوان البحث واسم الهيئة المشرفة عليه، والغرض منه، مع دعوة المبحوث إلى ملء الاستمارة وإعادتها، والإشارة إلى ما يفيد سرية البيانات وعدم استخدامها إلا لغرض البحث العلمي. 6_ يجب طبع الاستمارة على وجه واحد فقط لتكون سهلة القراءة، ويستحسن عدم كتابة أكثر من سؤال واحد على السطر الواحد. وأن يخصص أمام او تحت كل سؤال المكان الكافي للإجابة عليه، ولا تطلب الإجابة على ورقة منفصلة. 7_ يجب تقسيم الأسئلة إلى مجموعات توضع لها عناوين واضحة، ويجب إعطاء الأسئلة أرقاماً مسلسلة. وفي حالة الرغبة في استخدام الآلات الإحصائية يفضل وضع دليل رقمي code لإجابات كل سؤال. 8_ في استمارة المقابلة يجب تخصيص مساحة كافية لتسجيل البيانات المميزة مثل رقم الاستمارة، والمكان والتاريخ والاسم والحالة الزواجية والمهنية وعدد الأبناء. ويفضل أن ترد هذه البيانات في نهاية الاستمارة بعد ان يكون المبحوث قد أجاب على أسئلة الاستمارة بحرية وصراحة. 9_ يجب توضيح المصطلحات المستخدمة في الاستمارة وتحديدها لمساعدة المبحوث على الإجابة الصحيحة على الأسئلة. وفي استمارة المقابلة ينبغي كتابة التعليمات في صفحة منفصلة لمساعدة جامعي البيانات على أداة مهمتهم أثناء ملء الاستمارات، ويجب أن تتوافر في هذه التعليمات البساطة والإنجاز والوضوح. 10_ في الاستبيان البريدي ينبغي إرسال الاستمارة ومعها مظروف معنون عليه طابع بريدي لتيسير مهمة الرد بالنسبة للبمحوثين.

محاضرة وسائل جمع البيانات ,اولاً الملاحظة :

الملاحظة observation الملاحظة وسيلة هامة من وسائل جمع البيانات. استخدمت في الماضي كما تستخدم في الحاضر لما لها من أهمية في الدراسة والبحث. وقد لجأت إليها الشعوب البدائية كما تلجأ غليها الشعوب المتحضرة لجمع المعلومات عن الأشياء والمواقف المحيطة بهم، وللتعرف على ظواهر الحياة ومشكلاتها. ولكن الملاحظة العلمية تختلف اختلافاً كبيراً عن الملاحظة غير العلمية. وقد سبق أن أشرنا إلى أن الملاحظة التي كانت تقوم بها الشعوب البدائية من النوع البسيط الساذج الذي لا يهدف إلى الكشف عن حقيقة علمية محددة، أو غاية نظرية واضحة، وأدخلنا ذلك النوع من الملاحظة في نطاق المعرفة التجريبية التي وصفناها بأنها تقف عند بعض المواقف العلمية المحدودة والتي تبدو قاصرة تماماً في محيط التفكير النظري ومحاولة تفسير الظواهر وتعليلها بعكس الملاحظة العلمية. ثم أن تدخل العقل يكون بسيطاً في الملاحظة الساذجة بخلاف الحال في الملاحظة العلمية التي يقوم فيها العقل بنصيب كبير في ملاحظة الظواهر وتفسيرها وإيجاد العلاقات القائمة بينها، هذا بالإضافة إلى أن الملاحظة العلمية لا تقتصر على مجرد الحواس، بل تستعين بأدوات علمية دقيقة للقياس ضماناً لدقة النتائج وموضوعيتها من ناحية، وتفادياً لقصور الحواس من ناحية أخرى. هذا وقد كان لعلماء الانثروبولوجيا في العصر الحديث فضل كبير في لفت أنظار الباحثين الاجتماعيين في الفروع الأخرى إلى أهمية الملاحظة كوسيلة هامة من وسائل جمع البيانات، وكان لخصوبة المادة العلمية التي جمعوها عن الشعوب البدائية أثر كبير في توجيه أذهان الباحثين الاجتماعيين إلى استخدام نفس الأسلوب في البحث وخاصة في دراسة الجماعات الصغيرة. وتتميز الملاحظة عن غيرها من أدوات جمع البيانات بأنها تفيد في جمع بيانات تتصل بسلوك الأفراد الفعلي في بعض المواقف الواقعية في الحياة بحيث يمكن ملاحظتها دون عناء كبير أو التي يمكن تكرارها بدون جهد، ثم إنها تفيد أيضاً في جمع البيانات في الأحوال التي يبدي فيها المبحوثون نوعاً من المقاومة للباحث ويرفضون الإجابة على أسئلته. ومما يزيد في أهمية الملاحظة أن الباحث يستطيع أن يستخدمها في الدراسات الكشفية والوصفية والتجريبية، وتجميع بيانات لها أهميتها بالنسبة لكل نوع من أنواع الدراسة. ومع أهمية الملاحظة، إلا أن هناك بعض الحالات التي لا يتيسر فيها استخدام هذه الوسيلة في البحث وهي الحالات الماضية، وكذلك الحالات التي يرغب فيها الباحث في دراسة أنواع معينة من السلوك كالسلوك الجنسي أو بعض الأزمات والخلافات الأسرية، وكذا المواقف التي يصعب فيها على الباحث ان يتنبأ بأنواع السلوك المطلوب دراستها. هذا وقد دلت الدراسات المختلفة على أن الملاحظة الدقيقة المثمرة ليس بالامر الهين اليسير. وللتدليل على ذلك نضرب المثال التالي: في احد اجتماعات مؤتمر علم النفس الذي عقد بمدينة "جوتنجن" اقتحم القاعة فجأة رجل يطارده آخر ممسكاً بمسدس. وبعد تصارعا في وسط القاعة انطلقت رصاصة، ثم أسرع الرجلان بالخروج بعد حوالي عشرين ثانية من دخولهما، وفي الحال طلب رئيس الجلسة إلى الحاضرين كتابة تقرير مفصل عما شاهدوه. وكانت هذه الحادثة قد دبرت من قبل، وتدرب عليها الرجلان دون علم أعضاء المؤتمر. وقد قدم المشتركون في المؤتمر أربعين تقريراً عن الحادث وبقراءة التقارير المقدمة عن الحادث وتحليلها وجد انها مليئة بالأخطاء، ولم يكن هناك سوى تقرير واحد نسبة أخطائه فيما يتعلق بوقائع الحادث الرئيسية أقل من عشرين في المائة، بينما تراوحت نسبة الأخطاء في أربعة عشر تقريراً بين عشرين وأربعين في المائة، وزيدت في خمسة وعشرين تقريراً على أربعين في المائة. وقد أمكن الحصول على هذه النتيجة على الرغم من أن الحادثة كلها استغرقت وقتاً قصيراً، وكانت ملفتة بدرجة تكفي لجذب انتباه الحاضرين كما أن تفاصيلها سجلت حال وقوعها بواسطة أشخاص مدربين على الملاحظة العلمية. ولم يكن واحداً منهم مشتركاً اشتراكاً فعلياً فيها. وقد اعتاد علماء النفس إجراء تجارب من هذا النوع، وهي تكاد تسفر دائماً عن نتائج مشابهة. ومما يزيد في صعوبة الملاحظة أن الحواس كثيراً ما تخدع الباحث عن رؤية الأشياء كما حدثت فعلاً مثال ذلك ما يأتي: كان أحد أساتذة كلية الطب يلقي محاضرة على الطلبة، فأحضر عينة من البول السكري، ثم غمس فيه أحد أصابعه لكي يتذوقه. وبعد ذلك طلب إلى جميع الطلبة أن يكرروا ما فعله، فقاموا به على مضض، وبعد انتهاء التجربة اتفق الطلاب جميعاً على أن البول السكري حلو المذاق. فما كان من الطبيب إلا أن ابتسم قائلاً: لقد فعلت ذلك لأعلمكم الدقة في الملاحظة. فلو انكم راقبتموني بعناية، لكان من الممكن أن تلاحظوا أنني غمست إصبعي الأول في البول، بينما وضعت اصبعاً آخر في فمي. وكثيراً ما يكون العقل نفسه مصدر الخطأ في عملية الملاحظة إذ أنه يحاول ملئ الثغرات _دون وعي_ وفقاً للخبرة والمعرفة السابقة. وإذاً يقول جوته "أننا لا نرى إلا ما نعرفه". وقد لا يلاحظ الانسان من الظواهر إلا ما يتصل باهتمامه أو ما يتفق مع اتجاهاته وأغراضه. ويحدث ايضاً أن يخلط العقل بين الفكرة والواقعة بمعنى أن الوقائع قد لا تظهر كما هي، بل يحيلها العقل إلى أفكار مجردة. وهذه الأفكار قد لا يكون لها أصل في الواقع، فتكون من خلقه هو. وعلى هذا فإن من الضروري أن يهتم الباحث باختيار وتدريب القائمين بالملاحظة حتى يستطيع الحصول على بيانات علمية بالمعنى الدقيق. وينبغي على الباحث ان يحدد منذ البداية ما يأتي: 1_ الوقائع التي يجب ملاحظتها. 2_ كيفية تسجيل الملاحظات. 3_ الإجراءات التي يجب اتخاذها للتأكد من دقة الملاحظة. 4_ نوع العلاقة التي يجب أن تقوم بين الملاحظ والوقائع الملاحظة، وكيفية تكوين هذه العلاقة. وليس من شك في ان التحديد الدقيق للنقاط الأربعة السابقة يختلف تبعاً لنوع الدراسة. فالدراسات التجريبية تستلزم أكبر قدر من الدقة، على حين ان البحوث الكشفية تتطلب نوعاً من المرونة، أما الدراسات الوصفية فيمكن أن تقف موقفاً وسطاً بين الاثنين. _ أساليب الملاحظة: للملاحظة أساليب متعددة، يتداخل بعضها في بعض، ويختلف بعضها عن بعض. ويمكن تصنيف هذه الأساليب على الرغم من تعددها في فئتين عريضتين هما: الملاحظة البسيطة، والملاحظة المنظمة. ونعرض لهما فيما يلي: 1_ الملاحظة البسيطةsimple observation : يقصد بالملاحظة البسيطة ملاحظة الظواهر كما تحدث تلقائياً في ظروفها الطبيعية دون اخضاعها للضبط العلمي، وبغير استخدام أدوات دقيقة للقياس للتأكد من دقة الملاحظة وموضوعيتها. ويستخدم أغلب الناس هذا الأسلوب في التعرف على ظواهر الحياة المحيطة بهم، كما يستخدمه الباحثون الاجتماعيون في الدراسات الاستطلاعية لجمع البيانات الأولية عن جماعة معينة من الناس في بيئة معينة وتحت ظروف معينة من حيث أوجه نشاطهم، وطرق معيشتهم كدراسة أوجه النشاط التي يمارسها طلبة مدرسة من المدارس، أو أنواع العلاقات التي تقوم بين جماعة من العمال في احد المصانع، أو دراسة حياة المهاجرين من المناطق الريفية إلى المناطق الحضرية أو ملاحظة أوجه النشاط التي يمارسها الأهالي في حي من الأحياء. ويستخدم هذا الأسلوب أيضاً في كثير من ميادين علم نفس الطفل وعلم نفس الشواذ. ففي علم نفس الطفل مثلاً يقوم الباحث بملاحظة ألعاب الطفل في فترات مختلفة ليتبين ما يعتري هذه الألعاب من متغيرات، كما يلاحظ نمو اللغة عند الأطفال في مراحل السن المختلفة، وفي علم نفس الشواذ يقوم عالم النفس بملاحظة الأنواع المختلفة لاضطراب الشخصية، والظروف التي تساعد على انتشار الامراض النفسية والعقلية تمهيداً لدراستها دراسة اكثر تعمقاً وضبطاً. ويمكن ان تتم الملاحظة بإحدى طريقتين: أ_ الملاحظة بدون المشاركة: وهي التي يقوم فيها الباحث بالملاحظة دون أن يشترك في أي نشاط تقوم به الجماعة موضوع الملاحظة. وغالباً ما يستخدم هذا الأسلوب في ملاحظة الأفراد أو الجماعات التي يتصل أعضاؤها ببعض اتصالاً مباشراً. ومن مزاياه أنه يهيئ للباحث فرصة ملاحظة السلوك الفعلي لجماعة في صورته الطبيعية وكما يحدث فعلاً في مواقف الحياة الحقيقية. كما انه يجنب الباحث الأخطاء التي قد يقع فيها لو انه استعان بأداة أخرى لجمع البيانات كالاستبيان، إذ ان المبحوث قد لا يعبر عن رأيه تعبيراً صريحاً، فيعطي الإجابات التي يظن أن الباحث يريدها أو يتوقعها. ب_ الملاحظة بالمشاركة: وهي التي تتضمن اشتراك الباحث في حياة الناس الذين يقوم بملاحظتهم ومساهمته في أوجه النشاط التي يقومون بها لفترة مؤقتة وهي فترة الملاحظة. ويستلزم هذا النوع من الملاحظة أن يصبح الباحث عضواً في الجماعة التي يقوم بدارستها وأن يساير الجماعة ويتجاوب معها، وان يمر في نفس الظروف التي تكر بها، ويخضع لجميع المؤثرات التي تخضع لها. ولا يكتشف الباحث عن نفسه أو يفصح عن شخصيته ليظل سلوك الجماعة تلقائياً بعيداً عن التصنع والرياء. وقد يفصح عن شخصيته، ويكشف عن غرضه، وبمرور الوقت يألفه أفراد المجتمع، ويصبح وجوده أمراً طبيعياً. وقد شاع استخدام أسلوب الملاحظة بالمشاركة في ميدان الانثروبولوجيا الاجتماعية في دراسة الوحدات الاجتماعية الصغيرة كالأسرة والقبيلة، وفي دراسة الوحدات الكبيرة كالقرية والمدينة. ومن الدراسات التي استخدم فيها هذا الأسلوب دراسة "ميدلتاون" التي أجراها "روبرت ليند وهلين ليند" التي سبقت الإشارة إليها فقد استخدم الباحثان أسلوب الملاحظة بالمشاركة في دراستهما لمجتمع مدينة "ميدلتاون" وكانا يجمعان البيانات من جميع الأفراد على اختلاف أوضاعهم الطبقية، ومستوياتهم الاجتماعية، وكانا يلاحظان السلوك الفعلي للأفراد في المصانع والكنائس والمدارس والمحاكم والنوادي والطرق، وكانا يحضران الحفلات العامة ويستمعان إلى المحاضرات العلمية والأدبية في الأندية الثقافية المختلفة، ويتناقشان مع الأهالي في مختلف المسائل التي تهم المجتمع. واستعان "كوديل" وهو من علماء الانثروبولوجيا الاجتماعية بأسلوب الملاحظة بالمشاركة في دراسته للعلاقات الإنسانية داخل إحدى مستشفيات الامراض العقلية بالولايات المتحدة الأمريكية، حيث قام متخفياً في دور مريض، وعاش مع المرضى والأطباء لمدة شهرين دون علم المرضى والأطباء. واستخدم "نلز اندرسونnels Anderson" نفس الأسلوب في دراسته "للهوبو hobo" فاختلط بهم فترة طويلة في الاحراش خلال أوقات العمل وأوقات الفراغ، وتمكن من الحصول على بيانات متعلقة بأساليب حياتهم وعاداتهم ومعتقداتهم. وفي دراسة أخرى عن حياة الموسيقيين قام أحد الباحثين بدور لاعب البيانو. وفي جمهورية مصر العربية استخدم الدكتور احمد أبو زيد أسلوب الملاحظة بالمشاركة في دراسته التي اجراها لظاهرة الثأر في قرية بني سميع، مركز أبي تيج، إحدى قرى الصعيد، سنة 1958. وتستلزم الملاحظة بالمشاركة أن تكون الطريقة التي يقدم بها الباحث نفسه لافراد الجماعة مقبولة لأن أقل خطأ يقع فيه قد يؤدي إلى اخفاقه في مهمته، وفشله في إجراء دراسته، ففي مواقف المقابلة مثلاً قد يفشل الباحث في الحصول على بيانات من احد المبحوثين، فيستعيض عنه بغيره، ولكن الامر يصبح متعذراً بالنسبة لمجتمع بأسره. وكثيراً ما تكون المجتمعات المحلية منقسمة على نفسها، وفي هذه الحالة ينبغي على الباحث ألا يظهر بمظهر المتحيز لإحدى الجماعات، فإذا كان الباحث يجري دراسة في داخل الأحياء الوطنية في مدينة ما، أو يقوم ببحث في إحدى القرى أو في أحد المصانع، فإن من الضروري أن يكون حريصاً في اتصالاته حتى يضمن تعاون الجميع معه في البحث، وحتى تكون البيانات التي يحصل عليها بعيدة عن التحيز. فقد لوحظ في إحدى الدراسات مثلاً أن الباحث كون علاقات قوية بأصحاب العمل دون العمال، ولذلك كانت النتائج التي توصل إليها غير صادقة. ومن الضروري ايضاً ان يحدد الباحث منذ البداية درجة المشاركة التي يتطلبها البحث. فقيامه بدور معين في المجتمع قد لا يسمح له بالحصول على بيانات من أفراد في مركز أعلى أو أدنى من المركز الذي يشغله، ولذا ينصح بعض المشتغلين بمناهج البحث بعدم مشاركة الباحث في نشاط المجتمع مشاركة كاملة وبضرورة إعلانه عن نفسه وإفصاحه عن شخصيته حتى يستطيع أن يجمع بيانات من أفراد الجماعة على اختلاف أوضاعهم ومستوياتهم، كما يسمح بتوجيه ما يشاء من الأسئلة، لان المفروض أنه لا يعرف شيئاً عن الجماعة التي يقوم بدراستها، هذا بالإضافة إلى أن القائم بدور في الجماعة قد لا يستطيع أن يكون صورة متكاملة عنها بالدرجة التي يستطيعها العضو الذي لا يشترك في نشاط الجماعة اشتراكاً كاملاً، فالمتفرج يستطيع أن يلاحظ ما لا يلاحظه اللاعب، ثم ان هناك مواقف تصبح فيها المشاركة الكاملة أمراً عسيراً كاشتراك الباحث في إحدى العصابات ومساهمته في نشاطها. ولا يعني هذا أن المشاركة الكاملة غير مرغوب فيها دائماً، فهي ولا شك تسمح للباحث بملاحظة السلوك بصورة أكثر تلقائية وبدرجة أبعد ما تكون عن التصنع والزيف والرياء، ثم إنها تهيئ للباحث فرصة التعمق في فهم مختلف المؤثرات التي تخضع لها الجماعة. ويستطيع الباحث ان يحدد درجة المشاركة المرغوب فيها بالنسبة للمشكلة التي يدرسها، والظروف التي يمكن أن يعمل في ظلها، وترى جاهودا ان المشاركة الكاملة تكون ملائمة في حالتين هما حالة ما إذا كان المجتمع موضوع الملاحظة غير مألوف للقائم بالملاحظة، وحالة إذا ما كان المجتمع مألوفاً تماماً لديه لدرجة تصعب معها الملاحظة إذا لم يتعمد القيام بدور مختلف يساعد على تنبيهه إلى ما قد لا ينتبه إليه في حياته اليومية. _ موضوعات الملاحظة: يستعان بالملاحظات البسيطة في الدراسات الاستطلاعية، ولذا فإن الموضوعات التي تنصب عليها يجب أن تتميز بالمرونة والشمول وعدم التحديد الدقيق. فلدراسة ظاهرة من الظواهر يتعين على الباحث ان يتجه أولاً إلى جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات، وذلك عن طريق ملاحظة جميع الظروف المحيطة بالظاهرة، ثم يتجه بعد ذلك إلى تضييق نطاق ملاحظاته، فيقصرها على المواقف التي تهمه فقط. فإذا أراد الباحث مثلاً أن يدرس العلاقات الاجتماعية بين العمال في أحد المصانع، فإنه قد يبدأ بالذهاب إلى المصنع، ويتجول بين الأقسام، ويلاحظ العمال في عملهم أو في فترات الراحة، وقد يحضر اجتماعات مجلس الإدارة، وفي ضوء الملاحظات الأولى التي يقوم بها يمكنه أن يحدد الموضوعات التي تهمه، والمواقف التي تعنيه اكثر من غيرها ليقصر عليها ملاحظاته التالية. وعلى الرغم من الملاحظة البسيطة يعوزها التحديد الدقيق، إلا أنها تتحدد إلى حد ما، بالمشكلة موضوع الدراسة، والموقف الاجتماعي الذي يحيط بها. ويتضمن هذا الموقف ابعاداً رئيسية، وما على الباحث إلا أن يختار من بينها ما يتناسب مع اهداف دراسته. ونعرض فيما يلي لهذه الأبعاد كما تقترحها سيللتيز: 1_ المشتركون: من هم؟ وينبغي على الملاحظ أن يحصل على بيانات متعلقة بالأفراد من ناحية السن والجنس. ووضع الفرد في الموقف الذي يخضع للملاحظة، ومكانة الفرد نفسه في المجتمع والادوار التي يقوم بها، والصلة التي تربط بين الأعضاء، هل هم غرباء عن بعض، هل سبق لهم التعارف؟ هل هم أعضاء في جماعة واحدة؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما طبيعة هذه الجماعة، وكم عدد المشتركين؟ وما درجة الاختلاط او العزلة التي تنشأ بينهم؟. 2_ المكان: ما نوع المكان الذي يحدث فيه الموقف الاجتماعي؟ تقاطع شارع، مطعم، مدرسة رياض أطفال؟... وأي نوع من السلوك يمكن أن يتناسب مع المكان؟. 3_ الهدف: هل اجتمع الأفراد لغرض معين، أم اجتمعوا مصادفة؟ ولو كانت هناك أهداف محددة فما هي؟ اشتراك في مناسبة، اشتراك في مناسبة دينية، اجتماع إحدى اللجان، اشتراك في حفلة؟. وكيف يستجيب الأفراد بالنسبة للهدف الذي اجتمعوا من اجله؟ تقبل؟ إعراض؟ وهل هناك أهداف أخرى بالإضافة إلى الهدف الأصلي يسعون إلى تحقيقها؟ وهل تتفق أهداف ورغبات الأفراد مع بعضها أم تتعارض؟ 4_ سلوك الافراد الاجتماعي: ماذا يفعل المشتركون؟ كيف يتصرفون؟ ومع من؟ وبأي الأساليب؟ وبالنسبة للسلوك الاجتماعي يجب أن يهتم الملاحظ بما يأتي: أ_ ما هو الحادث المنبه أو الظروف المثيرة للسلوك؟ وهل كان سلوك الأفراد عن قصد؟ أم استجابة لظرف طارئ؟ ب_ ماهي الأسباب الظاهرة للسلوك؟ ج_ من هم الأفراد الذين كانوا هدفاً للسلوك؟ د_ ما نوع النشاط المرتبط بالسلوك؟ حديث، جري، إشارة، جلوس. هـ_ ما هي الميزات العامة لهذا السلوك؟ ومدى استمراره، غرابته، وبعده عن المألوف، تأثير؟ و_ ما هي الآثار المترتبة عليه؟ وما نوع السلوك الذي يتطلبه من الآخرين؟ 5_ انتظام وتواتر الموقف الاجتماعي: متى حدث هذا الموقف؟ وما المدة التي استغرقها؟ وهل هو موقف اجتماعي عادي متكرر او موقف فردي فريد في نوعه؟ وما درجة تواتر الموقف؟ وما الظروف التي تساعد على حدوثه؟ وهل يعتبر الموقف نموذجاً للمواقف المشابهة؟ وإلى أي مدى؟ _ تسجيل الملاحظة البسيطة: يتفق أغلب المشتغلين بمناهج البحث على أن من الأفضل أن يسجل الباحث ملاحظاته في نفس الوقت الذي تجري فيه الملاحظة حتى تقل احتمالات التحيز وضماناً لعدم النسيان. فبعض الأمور تضيع من الذاكرة عن طريق النسيان وبعضها الآخر قد تحرفه الذاكرة عامدة أو غير متعمدة. وقد يعتقد البعض أن المسائل الهامة لا تضيع أبداً من الذاكرة. ولكن هذا الاعتقاد غير صحيح. فكم من أمور يراها الانسان أو يسمع عنها، وتكون لها أهميتها في حينها ثم تضيع بعد ذلك في غياهب النسيان، وقد يقرأ الفرد ما كتبه عنها وقت حدوثها فتبدو امامه كما لو كانت جديدة يسمع عنها أو يراها لأول مرة. ويعارض البعض في تسجيل الملاحظات في حينها لأن ذلك قد يضايق الأفراد الذين تجري عليهم الملاحظة او يثير شكوكهم، كما ان انهماك الملاحظ في التسجيل كفيل بأن يشتت انتباهه بين الملاحظة والتسجيل فتضيع منه حقائق قد تكون على جانب كبير من الأهمية. ومن الممكن في مثل هذه المواقف التي يصعب فيها التسجيل أمام الأفراد موضوع الملاحظة أن يكتفي الباحث بكتابة بعض الكلمات أو النقاط الرئيسية على بطاقة خاصة معدة لهذا الغرض دون ان يثير انتباه أحد. وقد يترك الباحث موقف الملاحظة لفترة قصيرة يسجل فيها ملاحظاته بصورة أوفى ثم يعود لاستئناف ملاحظاته إذا لم يكن ذلك يؤثر على النتائج التي يحصل عليها. ويختلف أسلوب التسجيل من باحث لآخر، إلا أن من الضروري ان يكون هناك أسلوب متفق عليه. وهناك طريقتان يمكن استخدامهما للتسجيل: أ_ التسجيل الزمني للحوادث. أي ترتيبها بالنسبة لزمن حدوثها. ويمكن أن يتم بالصورة التي نقترحها فيما يلي: الوقت الملاحظات تفسير الملاحظات 10,00 ......... ......... 10,15 ......... ......... 10,30 ......... ......... 10,45 ......... ......... 11,00 ......... ......... ب_ تنظيم المادة الملحوظة في موضوعات أو فئات معينة. ومن الأفيد أن يعد الباحث قائمة بالموضوعات أو الفئات التي يمكن استخدامها قبل ابتداء الملاحظة حتى يسهل عليه التسجيل وحتى لا يفوته شيء له أهميته. ويستحسن دائماً ان يجمع الملاحظ بين الطريقتين في التسجيل. ولضمان دقة التسجيل ينبغي مراعاة ما يلي: 1_ عدم الخلط بين الحوادث الملحوظة وبين التفسيرات الشخصية حتى لا تختلط الحقائق الموضوعية بالجوانب الذاتية. 2_ يفضل ان يكون هناك اكثر من ملاحظ يستخدمون نفس النظام في التسجيل للمقارنة بين ما سجلوه من ملاحظات، واستبعاد ما لا يتفق عليه من بيانات أو تفسيرات. 3_ الاهتمام بتسجيل جميع التفاصيل. فالأمور التي تبدو امام الباحث غير مألوفة في بداية الملاحظة تصبح مألوفة لديه بمرور الوقت. ولذا يجب العناية بتسجيلها قبل أن تفقد دلالتها وتصبح في نظره أمراً عادياً روتينياً. 4_ العناية بتحليل الملاحظات أولاً بأول. فقد يتبين للباحث أن ملاحظاته لا تحيط بجميع جوانب الموقف، وفي هذه الحالة يمكنه أن يضيف فئات جديدة إلى الفئات التي سبق تحديدها ليجمع عنها بيانات قبل انتهاء الموقف الذي يخضع للملاحظة. 5_ عرض البيانات التي سجلها الباحث على أفراد يهمهم موضوع الدراسة والاستفادة بما يبدونه من ملاحظات في تعديل مواقف الملاحظة، أو حصرها في موضوعات رئيسية. 2_ الملاحظة المنظمة systematic observation: يختلف أسلوب الملاحظة المنظمة عن أسلوب الملاحظة البسيطة اختلافاً يباعد بينهما من حيث الضبط العلمي والتحديد الدقيق. فالملاحظة المنظمة تخضع للضبط العلمي سواء أكان ذلك بالنسبة للموقف الذي تجري فيه الملاحظة، كما أنها تنحصر في موضوعات محددة سلفاً، وتقتصر على إجابة الأسئلة أو تحقيق الفروض التي وضعها الباحث. ويشيع استخدام هذا الأسلوب في الدراسات الوصفية والدراسات التي تختبر فروضاً سببية، لما تتميز به الملاحظة المنظمة من دقة وعمق وتركيز على حين أن أسلوب الملاحظة البسيطة لا يستخدم إلا في الدراسات الاستطلاعية كما ذكرنا سابقاً. وتتم الملاحظة المنظمة إما في مواقف طبيعية بالنسبة لأفراد البحث وذلك ينزول الباحث بنفسه إلى حيث تجري الظاهرة التي يدرسها على طبيعتها أو بملاحظة الظاهرة في جو المعمل الصناعي، وكلما كان الموقف طبيعياً كانت النتائج أدق لأن كثيراً من الظواهر يتغير إذا لوحظ في جو المعمل الصناعي. وتتم الملاحظة المنظمة بالمشاركة أو بدون مشاركة من جانب الباحث، وفي الملاحظة بدون مشاركة قوم الباحث بالاختباء وراء شاشة بصرية يستطيع من خلالها أن يرى الأشخاص الذين تجري عليهم عملية الملاحظة دون أن يتمكن هؤلاء من رؤيته. أما في الملاحظة المشاركة فإن الباحث لا يستطيع أن يخفي حقيقة مهمته وهي القيام بالبحث. ومن الضروري أن يقدم نفسه للجماعة قبل بداية الملاحظة بطريقة مقبولة وأن يشرح الهدف الرئيسي من البحث. وفي الإعداد للملاحظة ينبغي تحديد فئات الملاحظة تحديداً دقيقاً بحيث يمكن تصنيف الظواهر الملحوظة وفقاً لها، وليتسنى للقائم بالملاحظة جمع البيانات المتصلة بموضوع البحث فقط والتي يمكن أن تؤيد أو تكذب صحة الفرض الذي وضعه. كما ينبغي تحديد وحدات الملاحظة. والوحدة عبارة عن جملة بسيطة يمكن نسبتها إلى إحدى الفئات، أما الجمل المركبة فإنها تشتمل في الغالب على اكثر من وحدة. ولذا فإن من الضروري تحديد حجم وحدة السلوك الذي يصنف في فئة، فقد يتراوح الحجم من فعل واحد يقوم به فرد واحد إلى كل الأفعال التي يقوم بها الفرد خلال زمن الملاحظة. ولما كانت الملاحظة عملية انتقائية بمعنى أن العقل لا يلاحظ من الظواهر إلا ما يتفق مع رغباته واتجاهاته، ويستبعد الوقائع التي لا تتمشى مع هذه الرغبات والحاجات، فإن من الضروري العمل على ضمان دقة الملاحظات وسلامتها. ولذا يستعان في الملاحظة المنظمة بعدد من الإجراءات، سنشير إليها في الفقرة التالية للتأكد من دقة الملاحظات، والبعد بها عن عوامل التحيز والانحراف. وتستلزم الدقة العلمية القيام بتسجيل الملاحظات المنظمة في حينها للتقليل من احتمالات التحيز، وضماناً لعدم النسيان، وليس التسجيل أمراً هيناً بل يحتاج إلى تدريب وإعداد ويقظة من جانب الباحث. وتنطبق الكثير من الملاحظات التي سبق ذكرها فيما يتصل بتسجيل الملاحظة المنظمة يكون قد سبق تحديده تحديداً كافياً فإن تسجيل دقائق الملاحظة وتفاصيلها يمكن أن يتم في ضوء الوحدات والفئات التي سبق تحديدها قبل البدء في عملية الملاحظة. _ الوسائل المستخدمة في الملاحظة المنظمة: يستعان في الملاحظة المنظمة بعدد من الإجراءات والوسائل التي تعين على الوصول إلى أكبر قدر ممكن من الدقة العلمية، وتساعد على قياس عناصر الملاحظات بصدق. ومن امثلة هذه الوسائل المذكرات التفصيلية، والصور الفوتوغرافية ، والخرائط واستمارات البحث. كما يستعان أيضاً بنظام الفئات ومقاييس التقدير والمقاييس السوسيومترية. وتشترك الملاحظة البسيطة مع الملاحظة المنظمة في استخدامها للمذكرات والصور والخرائط في حين ان الملاحظة المنظمة تنفرد باستخدامها للمقاييس السابق ذكرها. ونشير فيما يلي إلى هذه الوسائل بإيجاز: 1_ المذكرات التفصيلية: يستلزم التسجيل الدقيق لموضوعات الملاحظة تدوينها أولاً بأول في مذكرات وافية تشتمل على دقائق الموقف الاجتماعي. ويمكن عن طريق هذه المذكرات فهم الظواهر والوقوف على العلاقات القائمة بين أجزائها، كما يمكن الاستعانة بها والاستفادة منها في مواقف الملاحظة المتشابهة. 2_ الصور الفوتوغرافية: يستخدم التصوير الفوتوغرافي في تحديد جوانب الموقف الاجتماعي كما يبدو في صورته الحقيقية لا كام يبدو أمام الباحث، وهو يجنب الملاحظ الخطأ الذي قد يحدث نتيجة لاختيار العقل للوقائع التي تتمشى مع رغباته وحاجاته دون غيرها، كما أنه يسجل جميع التفاصيل المتعلقة بالظاهرة موضوع الدراسة والتي قد يغيب بعضها عن ذهن الملاحظ. فإذا أراد الباحث مثلاً أن يدرس الحياة الاجتماعية لإحدى الجماعات فإنه يستطيع أن يلتقط مجموعة من الصور تبين طرق العمل ونظام المعيشة ووسائل قضاء وقت الفراغ، وأنواع العلاقات القائمة بين الأفراد، وشكل المساكن، وما إلى ذلك من جوانب البحث. وتفيد الصور الفوتوغرافية ايضاً في توضيح مدى التغير الذي يطرأ على حياة الأفراد والجماعات. فلدراسة أحوال العمال المهاجرين إلى المناطق الحضرية مثلاً يستطيع الباحث أن يبين مدى التغير الذي يطرأ على العمال وعلى أنظمة حياتهم بالرجوع إلى مجموعات من الصور تمثل حياتهم في المناطق التي هاجروا منها والمناطق التي هاجروا إليها حسب ترتيبها الزمني. 3_ الخرائط: توضح الخرائط بدقة العلاقة بين البيئة الجغرافية وبين التنظيمات الاجتماعية القائمة بالمجتمع موضوع الدراسة، كما تصور كثيراً من الجوانب التي تهم الباحث الاجتماعي كتوزيع السكان بالنسبة إلى توزيع الموارد لطبيعة وأماكن التجمعات السكانية، وتوزيع المؤسسات الاجتماعية، ودرجة تركز المشكلات الاجتماعية في المناطق الجغرافية. 4_ استمارات البحث: تصمم استمارات البحث بحيث تحتوي وحداتها على العناصر الرئيسية والفرعية للظاهرة التي تخضع للملاحظة، فتهيئ للقائمين بالملاحظة فرصة استيفاء البيانات المتعلقة بهذه العناصر دون غيرها بطريقة موحدة. وتفيد استمارات البحث في ان الملاحظات المدونة بها يمكن تجميعها في رتب ومجموعات يسهل تحويلها إلى بيانات رقمية قابلة للتحليل والتفسير في سهولة ويسر. 5_ نظام الفئاتctaegory system: سبقت الإشارة إلى أن القائم بالملاحظة المنظمة يعمد إلى تصنيف السلوك في فئات تساعده على ان يصف الموقف الاجتماعي بصورة كمية. ويبدأ الباحث عادة وفي ذهنه عدد كبير من الفئات ثم يضعها تحت الاختبار لاستبعاد بعضها واستبقاء البعض الآخر. والفئة عبارة تصف طبقة معينة من الظواهر التي يصنف السلوك وفقاً لها، وغالباً ما يشمل النظام فئتين أو أكثر. ويفيد نظام الفئات في انه يمد القائمين بالملاحظة بإطار مرجعي موحد، كما يزيد من ملاحظة الجوانب الرئيسية في السلوك ملاحظة تتسم بالثبات. ومن الأمثلة على ذلك ما قام به "بيلزbales" في دراسته لنظام التفاعل بالجماعة. فقد بدأ بإعداد أكثر من خمسين فئة من فئات السلوك الإنساني، وبعد أن قام بدراسته جعل يستبعد بعضاً منها إلى أن وصل على 12 فئة. ويوصي "بيلز" القائمين بالملاحظة بأن يعملوا على انتقاء موضوع كامل من الموضوعات المعروضة للمناقشة ليقوموا بتحليله بحيث تبدأ الملاحظة من المرحلة التي تحاول فيها الجماعة التعرف على الموضوع ويسميها مرحلة طلب المعلومات وإعطائها، إلى مرحلة تحديد هذا الموضوع، إلى مرحلة اتخاذ قرار نهائي بشأنه. وكان "بيلز" يسجل الملاحظات على شريط صوتي متحرك ثم يقوم بعد ذلك بتقسيمه بطريقة تسهل له عملية التحليل. 6_ مقاييس التقدير rating scales: تستخدم مقاييس التقدير في تسجيل المواقف الاجتماعية بطريقة كمية، فإذا أراد القائم بالملاحظة مثلاً أن يسجل درجة مساهمة كل عضو من أعضاء الجماعة في المناقشة العامة فإنه يستطيع أن يستخدم مقياساً للتقدير. وهذا المقياس يقسم إلى درجات أو رتب متدرجة من الصفر إلى أي درجة يحددها الباحث ولتكن 6 أو 10 بحيث يمثل الطرف الأول للمقياس الذي يبدأ من الصفر عدم المساهمة في المناقشة، ويمثل الطرف الآخر المساهمة الكاملة في المناقشة. اما بقية النقط فإنها تمثل درجات مختلفة من البعد الذي نلاحظه. ويمكن وضع المقياس بهذه الصورة. صفر 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لا يساهم مطلقاً يساهم مساهمة في المناقشة كاملة وعند إعداد مقاييس التقدير ينبغي إعداد دليل يرشد القائم بالملاحظة إلى الطريق السليم لتقدير العوامل المختلفة تقديراً صحيحاً. ومما هو جدير بالذكر أن النتائج التي نصل إليها باستخدام مقاييس التقدير لا تكون بنفس عمق النتائج التي نحصل عليها باستخدام نظام الفئات، إلا أن القائم بالملاحظة قد يلجأ إلى هذه المقاييس إذا كان الوقت ضيقاً، وإذا كانت إمكانيات البحث محدودة. 7_ المقاييس السوسيومترية: المقاييس السوسيومترية وسيلة توضح في بساطة وبمساعدة الرسم التكوين الكامل للعلاقات الكائنة في وقت محدود بين أفراد جماعة خاصة. وقد اقترح "مورينو Moreno" في سنة 1937 هذه الوسيلة في قياس العلاقات الاجتماعية ولتقدير مدى الجذب والتنافر داخل جماعة معينة وسنشير فيما بعد إلى هذه الطريقة بشيء من التفصيل. وفي النهاية نود ان نشير إلى أن من الضروري أن تكون موضوعات الملاحظة المنظمة محددة تحديداً دقيقاً، وأن تجري في نظام وترتيب، وأن تكون بعيدة عن التحيز، وأن تسجل أثناء القيام بها مع الاستعانة بالمقاييس التي تعين على ثبات وصدق النتائج. كما ينبغي على الباحث أن يكون يقظاً سليم العقل والحواس، قادراً على فهم الموقف الاجتماعي، ومقدراً الظروف التي تحيط به تقديراً سليماً، كما ينبغي ألا يلجأ إلى التعميم من ملاحظاته واحدة أو يضع ملاحظات في موقف خاص على مختلف المواقف الاجتماعية.