‏إظهار الرسائل ذات التسميات محاضرات مادة علم اجتماع ريفي وبدوي في قسم علم اجتماع والخدمة الاجتماعية في جامعة الإمام محمد بن سعود. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات محاضرات مادة علم اجتماع ريفي وبدوي في قسم علم اجتماع والخدمة الاجتماعية في جامعة الإمام محمد بن سعود. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 18 نوفمبر 2015

الدراسات الاجتماعية الريفية في الدول النامية:

في حديثنا عن الدراسات الاجتماعية الريفية في الدول النامية سوف لا نكتفي بالإشارة التي أجراها باحثون محليون وإنما سوف نشير إلى الدراسات التي أجريت بواسطة باحثين خارجيين أيضا طالما أن نتائج تلك الدراسات تشكل في جملتها معرفة علمية منظمة بالمجتمع الريفي في تلك الدول كما سوف نحاول أيضا أن نقتفي آثار التيارين الكبيرين في هذه الدراسات في تلك الدول ، ولن نعرض بالطبع في هذه الفصل المحدود النطاق لكل الدراسات والبحوث ، وإنما لما تيسر منها فقط من ناحية ثم نناقش الموقف مناقشة عامة من ناحية أخرى . ويمكننا أن نصنف الدول النامية إلى مجموعات إقليمية لنتمكن من تتبع هذه الدراسات فيها وليكن هذا التصنيف على النحو التالي : 1ـ دول أمريكا اللاتينية . 2ـ الهند وسيلان . 3ـ الشرق الأقصى ( الصين واليابان التقليدية ) . 4ـ الشرق الأوسط (بما فيه تركيا) . 1ـ أمريكا اللاتينية : سبق أن ذكرنا أن أمريكا اللاتينية كانت هي المجال الصالح للدراسات الأنثروبولوجية القروية بما تضمه من قرى تقليدية ، وهنا نلاحظ أن الأسماء اللامعة في هذا المجال ترتبط دراستها عادة بدول أمريكا اللاتينية . ومن الجدير بالذكر أن هذه الدول لم تكن في الأعم الأغلب مجالا خصبا لأبنائها ، وإنما جذبت الباحثين من الولايات المتحدة بوجه خاص ولذلك لا يمكننا الزعم بوجود دراسات اجتماعية ريفية قومية خالصة تعكس وجود متخصصين في نطاقها هذا من ناحية أخرى لا نجد هذه المنطقة ، منطقة جذب لمن يريدون تجريب منهجهم الأنثروبولوجي فقط وإنما هي كذلك أيضا بالنسبة لبعض أصحاب "تيار الاجتماع الريفي " من الأمريكيين أيضا . ومن أشهر الدراسات التي يمكن أن تنطوي تحت لواء الأنثروبولوجيا الريفية تلك التي أجراها "روبرت ردفيلد" وأفاد منها في صوغ منهجه ونظرياته عن المجتمع القروي ، كذلك دراسات "أوسكار لويس " ، وقد مارست هذه الدراسات هذه الدراسات تأثيرا قويا على الباحثين في داخل الولايات المتحدة وخارجها وبخاصة في الدول النامية . كذلك قامت سنثيانلسن (Synthia Nelson) وهي باحثة أمريكية أيضا بدراسة حديثة عن النظرة إلى العالم في قرية مكسيكية ، مستخدمة الاختبارات الإسقاطية في محاولة للتعرف على التوجيه المعرفي للقرويين ، والقرية التي درستها تضم ألفين وأربعمائة من السكان وتقع على بعد (250) ميلا غربي مكسيكو سيتي العاصمة . وفي " جواتيمالا" أجرى " تشارلي واجلي wagley" دراسة عن الحياة الاجتماعية والدينية في قرية من قراها تعرض فيها للوضع الاجتماعي بما يضمه من الجماعات العائلية والقرابية , ودورة الحياة والدين , والتنظيم السياسي الديني , والطقوس والمراسيم التي تجري خلال السنة, وذلك باستخدام تكنيكات الأنثروبولوجيا أيضا . وفي كولومبيا قام "إيفرت روجرز" بدراسة عن الاتصال الجمعي والتحضير بين القرويين في خمس من قراها حيث حاول في هذه الدراسة أن يربط الاتصال بوسائل الاتصال الجمعي بعدد من المتغيرات كالتعليم والمكانة الاجتماعي والسن , كما حاول أن يختبر ذلك في ضوء التقمص الوجداني للأحداث الخارجية Empathy والميل إلى التجديد والمعرفة السياسية والمطامح وقد اعتمد في إجرائه لدراسته على جمع البيانات ومعالجتها إحصائيا . ومن خلال هذه النماذج الممثلة نلاحظ أنه ليس هناك باحث واحد ينتمي إلى أمريكا اللاتينية قد أجرى أي نوع من هذه الدراسات ومن المحتمل ان يكون هناك مثل هؤلاء الباحثين المحليين الذين تقف اللغة عقبة أمام التعرف عليهم وأعمالهم ولذلك ووفقاُ للدراسات المتاحة أمامنا يمكننا أن نعد الدراسات الاجتماعية الريفية في أمريكا اللاتينية جزءا مكملا للدراسات الاجتماعية الريفية في أمريكا 2- الهند وسيلان لا تفتقر الهند إلي المتخصصين في الدراسات الإنسانية وبخاصة في مجال الاقتصاد والاجتماع و الأنثروبولوجيا وفي حوالي عام 1950م كان علم الاجتماع يدرس أربع من جامعاتها وفي عام 1953 كانت هناك حوالي عشرين دراسة انثروبولوجية وعندما بدأت الهند في عام 1950 تخطط لمشروعها الكبير للتنمية الريفية قرر الدكتور مكورجي (ولو بعض الكتابات المعروفة علي المستوي الدولي) انه لا يوجد متخصصين في (علم الاجتماع الريفي ) في الهند وهو يقصد بالطبع المعني المعروف لعلم الاجتماع الريفي في الولايات المتحدة ومن الجدير بالذكر أن التيار الأنثروبولوجي هو التيار السائد في الدراسات الاجتماعية الريفية وربما عاونه علي ذلك توفر المجتمعات القروية التقليدي المتناثرة في شبة القارة الهندية وقد لمعت أسماء باحثين هنود علي هذا المسرح بالذات ولا يعني ذلك عدم وجود أي دراسات تنتمي إلي (تيار علم الاجتماع الريفي ) بالمعني الأمريكي فهناك أيضا نماذج من هذا النوع من الدراسات التي أجراها باحثون تلقوا تدريبهم في الولايات المتحدة ومن أمثلة ذلك تلك الدراسات التي قام بها (ستادال دسجوبتا ) عن الاتصال والتجديد في قري هندية عالج فيها اختلاف مصادر المعلومات باختلاف المكانة الاجتماعية الاقتصادية وباختلاف نمط النشاط أو المهارة المحسنة وقسم المزارعين إلي ثلاث مجموعات مجددين , ومتبنيين مبتكرين ,ومتبنين متأخرين ودرس خصائص هؤلاء والعلاقة بين مصادر المعلومات وهذه الخصائص عن طريق دراسته 246 أسرة زراعية في إقليم ( باراسيت ) في البنغال الغربية وذلك فيما يتعلق بتسع من المهارات الزراعية المحسنة والدراسة بهذا الشكل دراسة أمريكية نمطية وان كانت قد أجريت في الهند بواسطة باحث هندي لأنها اقتفت تماماً أثار علم الاجتماع الريفي الأمريكي فلم يكلف الباحث جهده في وصف وتحليل البناء الاجتماعي او الثقافة الخاصة بمجتمعات بحثه التي تختلف اختلافا ضخماً عن المجتمعات الزراعية الأمريكية مما جعل نتائج بحثه هذا تتفق تماما مع نتائج البحوث الأمريكية في هذا المجال وهو أمر مشكوك فيه أما التيار الغالب في الهند أعني الأنثروبولوجيا الريفية فقد أثمر ثماراً حظيت بشهرة عالمية وقد تيسرت بعض الدراسات المنشورة من ناحية وقرأنا عن بعض الدراسات الأخرى في نشرات دور النشر وبخاصة ما صدر في سلسلة علم الاجتماع وإعادة البناء الاجتماعي اللندنية التي أسسها (كارل مانهايم) وأشرف عليها (سبروت) ومن الدراسات التي تمكنا من الاطلاع عليها تلك التي أجراها (ديوب ) بعنوان (قرية هندية) وتتكون الدراسة من 248صفحة من القطع المتوسط وتنقسم إلي ثمانية فصول يعالج الفصل الأول منها وضع القرية ويعالج الفصل الثاني البناء الاجتماعي إما الفصل الثالث فيتناول البناء الاقتصادي ويركز الفصل الرابع علي الطقوس والمراسيم ويهتم الفصل الخامس بشبكة الروابط العائلية ويناقش الفصل السادس مستويات المعيشة ويحلل الفصل السابع المعيشة المشتركة أما الفصل الثامن فيناقش التغير أو الوضع المتغير. والدراسة وان كانت تتبنى – عامة- الاتجاه الأنثروبولوجي إلا أنها تفيد من الأساليب الإحصائية أيضا وتضم بعض الجداول وبخاصة في الفصل الخاص بالبناء الاقتصادي والفصل الذي يتناول مستويات المعيشة . وللمؤلف أيضا كتاب ظهر في نفس السلسلة يحاول فيه أن يوضح كيفية الإفادة من الدراسات القروية في الهند في وضع برامج التخطيط والتنمية وهو بعنوان (قرى الهند المتغيرة ) ويتناول في فصولة السبع التخطيط لتنمية المجتمع المحلي وواقع برنامج التنمية الريفية والاستجابة المتغير وموظفي الدولة بوصفها من عوامل التغير أو وسائلة , ومشكلات الاتصال والعوامل الثقافية في تنمية المجتمع ,أو تقويم تعليق. هذا بالإضافة آلة وجدود دراسات أخرى لم يتيسر لنا الحصول عليها مثل دراسة (أوريان ماير )بعنوان الطائفة والقرابة في وسط الهند : قرية وإقليمها. دراسة (هاسويل) بعنوان اقتصاد التنمية في قرى الهند. ودراسة (أشواران)بعنوان التقليد والاقتصاد في قرية هندية) وهي دراسة انثروبولوجية لمجتمع قروي في جنوب الهند توصل فيها إلى أن الاقتصاد في القرية موضوع الدراسة يعتمد على شبكة من العلاقات المتبادلة،التي هي علاقات اجتماعية في المحل الأول ,كما قام (أبلر وسنغ )بدراسة بعنوان (تقسيم العمل في قرية هندية ) وقد نشر في حوالي ثلاثين صفحة في مؤلف كان بعنوان (الانثربولوجيا العامة طبعة نيويورك عام 1948) ومن خلال هذا العرض نستطيع إن نقول أن هناك بالفعل دراسات اجتماعية ريفية في الهند طالما كان أمامنا إطار من المعرفة العلمية المنظمة هناك جمعها باحثون محليون بل إن بعض هؤلاء الباحثين يعد ألان حجة في هذا النوع جمعها باحثون محليون بل إن بعض هؤلاء الباحثين يعد ألان حجة في بهذا النوع من الدراسات على المستوي العالمي وبخاصة أصحاب تيار الأنثروبولوجيا الريفية. وفى سيلان قام باحث أمريكي يدعى (برايس رايان) وهو من أصحاب تيار الاجتماع الريفي في الولايات المتحدة بدراسة عن الاتصالات الأولية والثانوية في قرية سيلان وحاول أن يجمع فيها بين التكنيكات الأنثروبولوجية وتكنيكات علم الاجتماع الريفي وتتكون القرية التي درسها من أربعمائة دار قائمة في السهول الخصيبة التي تبعد نحو خمسة وثلاثين ميلاً جنوب مدينة كولومبو. وقد ناقش في هذه الدراسة الوضع العام للقرية إما أسماه بالخلفية ثم القرابة والجيرة ثم المشاركة الاجتماعية الثانوية هذا بعدد من التغيرات الاجتماعية كالسن والمكانة الاقتصادية الريفية في سيلان من خلال هذه الدراسة التي لا تنتمي إليها إلا بحكم إجرائها فيها فقط. 3- الشرق الأقصى (اليابان والصين) ليس بأيدينا من دراسات اجتماعية ريفية يابانية سو تلك الدراسات الشهيرة التي أجراها (جون أمبري) وهو باحث غير ياباني وهى دراسة انثروبولوجية لقرية يابانية في مرحلة التحول تتكون من خمسة فصول تتناول بالترتيب الخلفية التاريخية وتنظيم القرية والأسرة والعائلة وإشكال التعاون والطبقات والروابط الاجتماعية وتاريخ حياة الفرد والدين والتغير الذي يجرى ذاتها غير كافية لتقويم موقف الدراسات الاجتماعية الريفية هناك إما في الصين فهناك ثلاث دراسات متاحة أشار إلى واحدة منها الدكتور محمد عاطف غيث في دراسته عن القرية المتغيرة ولم تتمكن من الاطلاع عليها وهي تلك التي أجراها (مارتن بانج ونشرت بلندن عام 1946 بعنوان (قرية صينية ونشرت دراسة أخرى في نفس السلسة عام 1959واعيد طبعها فيما بعد بعنوان (ثروة في قرية صينية ) أجراها كل من دافيد وإيزابيل كروك وهما ليسا صينيين وبالتأكيد وقد خرجت هذه الدراسة في طبعتها الثانية التي صدرت عام 1968 في سلسة المشار إليها أيضا في عشرة فصول تناقش بالتفصيل التغيرات الثورية التي طرأت على هذه القرية وكيف أصبحت هذه القرية المتخلفة بؤرة ثورية . إما الدراسة الثالثة فهي أحدث هذه الدراسات جميعا وأجراها باحث سويدي يدعى(جان ميردال) وهى أقرب إلي الوصف الصحفي منها إلى الدراسة العلمية المتعمقة وهي بعنوان (تقرير من قرية صينية) وقد نشرت عام 1963 وترجمت إلى الانجليزية ونشرت عام 1967 وهى تتكون من فصل رئيسي في وصف القرية ووضعها ثم تتلاحق الفصول التالية وتصف أنماطها من حياة بعض الشخصيات في هذه القرية تستكشف بواسطتها الجوانب المختلفة للحياة القروية أما الفصل الأخير فأنة يعالج التنظيم الحربي في القرية . ولقد ارتبطت هذه الدراسات في الغالب بأسماء أجنبية وهي لذالك لا تستطيع أن تعبر عن موقف الدراسات الاجتماعية الريفية هناك أيضا . 4- الشرق الأوسط: لم تلمع أسماء محلية فيما يتعلق بالدراسات الاجتماعية الريفية في الشرق الأوسط , أو إن شئنا الدقة قلنا إن أيدينا لم تقع على دراسات قروية قام بها باحثون محليون سوى تلك الدراسة التي أجراها عبدا لله لطفيه عن إحدى قرى الضفة الغربية بالأردن . والدراسة في مجملها تتعرض للنظم الاجتماعية والتغير الاجتماعي في مجتمع قروي تقليدي وتنقسم هذه الدراسة إلى تسعة فصول وخاتمة ,يتناول الفصل الأول طبيعة الدراسة ومنهجها , ويعالج الفصل الثاني خصائص المجتمع موضوع الدراسة وطبيعته ويناقش الفصل الثالث الإسلام وثقافة القرية , ويهتم الفصل الرابع بالدين الشعبي أو المعتقدات الشعبية والطقوس وتتوالى الفصول التالية مهمته بموضوعات مثل الحكومة و السياسة وعادات الزواج وبناء الأسرة وغير ذلك والدراسة من حين منهجها تتبني تكنيكات الانثربولوجيا الاجتماعية والثقافية كالمعايشة والاعتماد على الإخباريين وغير ذلك. وهى تعد بحق رائدة في هذا المجال في تلك المنطقة من العالم وربما كانت الأولي تعد من نوعها التي يقوم بها باحث محلي. وليس معنى ذلك انه لا توجد هناك دراسات اجتماعية ريفية أخرى في هذه المنطقة فهناك كثير من الدراسات التي قامت بها هيئات أجنبية وباحثون أجانب .بمساعدة باحثين محللين في إقليم متعددة من الشرق الأوسط, وأهم هذه الدراسات جميعاً ما نشرة (دانيل ايرنر)بعنوان (تحول المجتمع التقليدي_ تحضر الشرق الأوسط) فقد تتضمن هذه الكتاب مجموعة من الدراسات التي أجريت في تركيا, وسوريا, والأردن , ولبنان, وإيران ,ومصر, وكرست بعض أجزائه للحديث عن مجتمعات ريفية مثل ذالك الفصل الذي كرس لوصف قرية تركية في مرحلة تحول بعنوان (البقال والعمدة: عظة وعبرة , فقد ناقش فيه ليرتر بأسلوب روائي أساليب الحياة التقليدية في هذه القرية في مقابل أساليب الحياة العصرية من خلال عقد مقارنة بين العمدة التقليدي والبقال المتطلع إلى التحول والعصرية , كما ناقش فيه أيضا العلاقة بين الاتصالات الفيزيقية والفكرية والتغير الاجتماعي في هذه القرية. كما نوقش في هذا المؤلف أيضا تحول قيادة الرأي من كبار السن , إلي الشباب المتعلم في القرى اللبنانية , وانتهى ليرنر من هذه الدراسات إلى صياغة مقياس تصنيفي يميز بين ثالثة ضروب من السلوك , التقليدي وتحولي , وعصري. هذا كما قام (ماير ستايكوس)بدراسة عن الدور الذي يلعبه قادة الرأي في برنامج لتنظيم الأسرة في قرية تركية معتمداً فيها على الاستمارات المحددة باستبيان ومعالجة البيانات إحصائيا . وكذلك أجرى (أصغر فتحي) دراسة عن القيادة ومقاومة التغير في إحدى القرى التركية أيضاً باستخدام طريقة دراسة الحالة محاولاً أن يوضح العلاقة بين خصائص البرنامج التغيري والقيم الموجودة في المجتمع المحلي وكذلك الطريقة التي يصل بها الفرد إلى اتخاذ قرار بقبول هذا البرنامج التغيري اتضح من عرضنا لموقف الدراسات الاجتماعية الريفية في الدول النامية إن الصورة قائمة بعض الشئ في حدود الدراسات المتاحة أمامنا فيما عدا الهند ولا يمكن تفسير هذا الموقف منفصلا عن موقف علم الاجتماع العام أو ربما الدراسات الإنسانية بوجه عام . وربما كان علم الاجتماع لا يتمتع بأي دعامة قوية في هذه الدول وربما كان ينهض على دعامة قوية في هذه الدول وربما كان ينهض على دعائم تقوم أساسا علي المستوي الأكاديمي الصرف أو هي تنهض على أسس فلسفية وأكاديمية ونظرية بحتة . وربما يعزى تخلف الدراسات الاجتماعية بوجه عام والريفية بوجه خاص إلي عدم الاعتراف الرسمي بأهمية مثل هذه العلوم وقلة الطلب ومن قبل الرسميين على المعلومات العلمية الخاصة بالقطاعات الاجتماعية المختلفة عند تخطيط البرامج وتنفيذها مما يؤكد ذلك أن التخطيط في معظم الدول النامية تخطيط اقتصادي خالص يشرف علة الاقتصاديون ولذالك لا يدرك هولا ضرورة اعتما الخطط على معرفة علمية بالمجتمع بوجه عام والمجتمع الريفي بوجه خاص واهم يهملون العوامل الاجتماعية والثقافية ويتجاهلون دورها في التأثير على السلوك الاقتصادي ذاته .

الدراسات الاجتماعية الريفية في أوربا :

ظهر "علم الاجتماع الريفي " بالمعنى الأمريكي في أوربا بعد الحرب العالمية الثانية ، ويبدو ذلك مدهشاً لأول وهلة . وبخاصة إذا وضعنا في الاعتبار أن قطاعاً هاماً من السكان الأوربيين ما يزالون ريفيين من حيث الإقامة ، بالإضافة إلى أن أصول علم الاجتماع العام أصول أوربية وليست أمريكية . يوضح الأستاذ "هوفستى Hofstee" رئيس الجمعية الأوربية لعلم الاجتماع الريفي أسباب ذلك في محاضره ألقاها في أحد اجتماعات جمعية الاجتماع الريفي الأمريكي وهي منشورة بالمجلد الثاني والعشرين في مجلة علم الاجتماع الريفي الأمريكية فهو يذهب إلى أن غير المتخصصين كانوا لا يعولون ، على الإطلاق ، على علم الاجتماع بوصفه علماً تطبيقياً ، وهي خاصية هامة من خصائص علم الاجتماع الأمريكي ، وكانت نظرتهم هذه صحيحة إلى حد كبير ، فقد كان علم الاجتماع الذي يدرس في أوربا قبل الحرب مصطبغاً بالصبغة النظرية وربما الفلسفية ، ولذلك لم يكن هناك مكان لعلم الاجتماع الريفي يوجه اهتمامه الرئيسي نحو التطبيق والممارسة ، وقد كان من الصعوبة بمكان أن يضع علماء الاجتماع الذين يفرقون في التعميمات ويسعون إلى أعلى مستوى منها أن يضعوا في اعتبارهم الفروق بين المجتمع الريفي وغير الريفي ، (وهذا مع وضعنا في الاعتبار الجهود التي بذلها الرواد الأوربيون في إقامة ثنائيات تميز بين أنماط من المجتمعات نذكر منهم دور كايم الفرنسي ، وفيبر وتونيز الألمانيين وإذا كانت هذه الجهود الرائدة قد توقفت فيما بعد ) ، بالإضافة إلى أننا يمكن أن نسوق أمثلة لدراسات علمية بحتة ومجردة للحياة الريفية من فترة ما قبل الحرب ومن أبرزها دراسة "وبولدفون فيز" L. Von wiese)) بعنوان القرية " (Das Dorf )عام (1928) ولكن يمكن القول بأن علم الاجتماع الريفي المعروف في أمريكا لم يكن يلائم التصور الأوربي العام لعلم الاجتماع قبل عام (1940) . وقد يرى البعض بأن ذلك الأمر لا يصدق على أمريكا نفسها كما هو صادق بالنسبة لأوربا حيث أن علم الاجتماع الريفي الأمريكي لم يكن ابنا مرغوباً فيه بالنسبة لعلم الاجتماع هناك فقد نبع الأول هناك من معاهد متخصصة في التعليم التطبيقي العالي ولم ينبع في الجامعات العامة وقد مر وقت طويل حتى تم الاعتراف بشرعية بنوة علم الاجتماع الريفي لعلم الاجتماع العام ، وظلت بقايا تلك الشكوك حتى مرحلة متأخرة وتجلت في شكل ضروب من التوتر بين المتخصصين في الاجتماع الريفي وعلماء الاجتماع ، كما أن هناك بعض من علماء الاجتماع ما يزالون غير مقتنعين بأن علم الاجتماع الريفي نوع محترم من علم الاجتماع العام . ومن أسباب تأخر ظهور عام الاجتماع الريفي بالمفهوم الأمريكي في أوربا حتى هذه المرحلة المتأخرة انقطاع الصلات بين دارسي الاجتماع الأوربيين والأمريكيين قبل الحرب حيث ظل علماء الاجتماع في أوربا على غير علم بما يجري عليه هذا العلم في أمريكا ، ومن الخطأ الزعم بأن علم الاجتماع الأمريكي لم يكن معروفاً تماماً في أوربا ، ولكن من الخطأ أيضاً الادعاء بأن علم الاجتماع الأمريكي قد مارس أي تأثير على التفكير السوسيولوجي الأوربي ، فقد كان "بيترم سوروكن" هو الذي يحظى بشهرة واسعة في أوربا حتى عام (1935) مهما كانت مزايا "سوروكن" أو مساوئه فإنه لا يمكن أن يعد ممثلاً لعلم الاجتماع الأمريكي . ولم يكن علماء الاجتماع الأوربيين ـ باستثناءات قليلة ـ واعين بأن الأمريكيين ، بجمعهم الحاذق للبيانات ، واستخدام وسائل العمل الميداني ومعالجتهم الماهرة لهذه البيانات بواسطة الأساليب الإحصائية ، لم يكونوا واعين بأن هؤلاء يقدمون نموذجاً جديداً للبحث سوف يغير وجه علم الاجتماع تغييراً تاماً . "وقد مكنت هذه الأساليب المنهجية علم الاجتماع الريفي الأمريكي من أن يحظى بالاعتراف بأهميته لأنها مكنته من أن يقدم للناس نتائج واقعية ذات قيمة " . وهناك مؤلف أمريكي حظي بشهرة واسعة في أوربا في الثلاثينات إذا ما قورن بغيره ، ذلك هو مبادئ علم الاجتماع الريفي الحضري "لسوروكن وزمرمان" لكن سوروكن لم يوضح تماماً في هذا المؤلف ما يمكن توقعه من هذا الفرع الجديد الذي ينمو في الولايات المتحدة . يضاف إلى ذلك أن المناخ السياسي الذي ساد أوربا في هذه الفترة لم يعق نمو الاجتماع الريفي في أوربا وإنما أوقف تقدم علم الاجتماع العام ونموه كذلك . فتوقف إسهامات إيطاليا "بلد باريتو" تحت الحكم الفاشي ، وتوقفت إسهامات ألمانيا "بلد ماكس فيبر" تحت الحكم النازي . وحينما نقول إن علم الاجتماع الريفي ، بالمعنى الأمريكي ، لم يعرف في أوربا إلا متأخراً فإن ذلك لا يعني أنه لم تكن هناك معرفة منظمة بالحياة الريفية أو أن مثل هذه المعرفة كانت مفتقدة تماماً . فقد أبدت فروع أخرى من المعرفة العملية في بلدان متعددة اهتماماً بالحياة الريفية ، فدرست الحياة الريفية في فرنسا في نطاق الجغرافيا البشرية ودرست في ألمانيا في نطاق السياسة الزراعية ((Agrapolilik التي كانت ضمن البرامج التي تدرس للطلاب في الكليات والجامعات ، وأجريت عدة دراسات في هولندا عن المناطق الريفية للحصول على درجة الدكتوراه بإشراف شتينمتز ((Steinmetz بجامعة أمستردام ، حيث أدخل هذا العالم في هذه الجامعة ما أسماه بالسوسيوجرافيا ((Sociography حينما كان عليه ، وهو سوسيولوجي ، أن يقوم بتدريس مادة الجغرافيا البشرية ، وحينئذ حاول أن يشيد الجغرافيا البشرية على دعائم سوسيولوجية متينة . وقد درست المناطق الريفية دراسة مستفيضة في نطاق السوسيوجرافيا هذه ، ولكن مناهج دراستها كانت مختلفة عن المتبع الآن فيما يعرف بعلم الاجتماع الريفي. وقد كانت هناك بالإضافة إلى ذلك معرفة بالحياة الريفية وإن لم تكن منظمة تمتد في جذورها إلى القرن التاسع عشر في شكل تقارير وصفية عن الحياة الريفية نشرت هنا وهناك وهي تعد الآن بمثابة وثائق في غاية من الأهمية عن التاريخ الريفي . ولذلك فإن علم الاجتماع الريفي في أوربا لم ينبع من العدم . لكن ظروف نموه لم تكن مواتية إذا ما قورنت بظروف هذا النمو في الولايات المتحدة . لكن هذه الظروف قد تغيرت بعد الحرب حيث حدث اتصال وثيق بين العلماء الأوربيين والأمريكيين وأغرقت المؤلفات الاجتماعية الأمريكية السوق الأوربية العلمية بما في ذلك من منشورات الاجتماع الريفي ، وأحاط الأوربيون علماً بهذا الوضع الجديد لعلم الاجتماع وترتب على هذا الاتصال أن بدأ العلماء الأوربيون يعيدون النظر في الوضع الأكاديمي لعلم الاجتماع ومتأثرون بمناهج البحث الجديدة وقد ساعد هذا التكامل بين التصور الأوربي لعلم الاجتماع والتصور الأمريكي له على نمو" علم الاجتماع الريفي " مضافاً إلى ذلك ظهور مشكلات جديدة في النطاق الاجتماعي ، وتغير نظرة الحكام المحليين والمخططين وواضعي السياسة إلى علم الاجتماع مما ترتب على الوعي بأهمية المعرفة العلمية المنظمة في حل هذه المشكلات ومعالجتها ، وبدأ المتخصصون في الإرشاد يدركون أن مشكلات الفلاح الاقتصادي لا يمكن أن تحل تماماً بواسطة الأساليب الاقتصادية والفنية الخالصة . وبدأوا يدركون أن العمل الإرشادي ليس عملاً طائشاً ولكنه يقوم أساساً على المعرفة المستمدة من علم الاجتماع وعلم النفس وغيرهما من العلوم الاجتماعية ، وشعرت جميع المؤسسات العاملة في الريف بأهمية الإفادة من علم الاجتماع في عملها وهنا يمكن القول أن البحث السوسيولوجي في المناطق الريفية بدأ في أوربا الغربية . والآن نحاول أن نعرض الحال التي عليها الدراسات الاجتماعية الريفية في أوربا وسوف نستعين في عرضنا لتيار علم الاجتماع الريفي بالمعنى الأمريكي بخطاب "هوفستى" المشار إليه من ناحية وسوف نشير إلى بعض المراجع الأخرى في تتبع التيارات الأخرى لدراسة المجتمعات الريفية في أوربا من ناحية أخرى ، وسنشير إلى ذلك كله في موضعه . توضح النظرة العامة أن موقف الجامعات العامة ، وعلى الأقل تلك التي لا تضم كليات للزراعة ، في أوربا من "علم الاجتماع الريفي " موقف غير ودي ، وقد ذكر مندرا ((Mendras في المسح الذي نشر في مجلة ""Sociolgic Ruralis في المجلد الأول الذي ظهر عام (1960) ذكر أن هناك جامعة واحدة وهي جامعة ستكهولم ، يدرس منها " علم الاجتماع الريفي " كجزء منفصل من منهج في علم الاجتماع العام ، كما أن هناك طلاباً من جامعات أخرى يفدون إلى جامعة "فاجننجن" ((Wabeningen الزراعية بهولندا لحضور محاضرات في "علم الاجتماع الريفي " بوصفها جزاءً متمماً لدرجته النهائية . وربما يفسر هذا الموقف الأكاديمي بأن الجامعات في القارة الأوربية ذات خلفية حضرية وصناعية قوية ولذلك تبدى مقاومة شديدة لما يمكن اعتباره علماً تطبيقياً إلا أن أمل "علم الاجتماع الريفي " وأصحابه ، معقود على الجامعات الزراعية والكليات الزراعية في الجامعات العامة وهو أمل ليس بضعيف ، فهناك معهد زراعي واحد أو أكثر في كل دولة من دول أوربا الغربية يقدم دراسات في الاجتماع الريفي . لكن ذلك لا يعني على الإطلاق تخريج متخصصين في هذا الميدان فإن هذا العلم يدرس بوصفه مادة إضافية في نطاق تخصصات أخرى . وهناك جامعة واحدة فقط تقريباً . وهي جامعة "فاننجن" الزراعية بهولندا هي التي تسمح بتخصص تام في "علم الاجتماع الريفي " حيث يكرس الطلاب جهودهم بعد السنة الإعدادية لدراسة الاجتماع الريفي والعلوم المتصلة به ويستغرق هذا التخصص خمسة أعوام ، بالإضافة إلى أن الباحث الذي يرغب في مواصلة دراساته ويتفرغ تفرغاً تاماً لرسالته للدكتوراه يستطيع أن ينجزها في عامين ، أي أن التخصص التام في الاجتماع الريفي في هذه الجامعة يستغرق سبعة أعوام . وهناك تخصص مماثل متاح بالكلية الزراعية بالنرويج أيضاً ، ولكنها تتيح فرصة التعليم الكامل في علم الاجتماع العام . ويؤثر الوضع الأكاديمي لعلم الاجتماع الريفي في أوربا ، بدون شك على البحوث الاجتماعية الريفية خارج الجامعات ، فعدد التخصصين في هذا النوع من الدراسات ما يزال محدوداً مع وجود الحاجة من قبل الحكومات والمؤسسات إلى المعرفة بالحياة الريفية مع وضعنا في الاعتبار أن هناك بحوثاً ذات أهمية تطبيقية قد أجريت في إيطاليا وألمانيا وهولندا على وجه التخصيص أجراها متخصصون في علم الاجتماع العام والعلوم الأخرى المتصلة به . وينعكس هذا الوضع على التنظيمات المهنية ، كما ينعكس أيضاً على الدوريات والنشرات في هذا الميدان , فقد قررت الجمعية الأوربية للاجتماع الريفي التي تأسست عام 1957م من أعضاء أغلبهم غير متخصصين , قررت إصدار نشرة دورية لها إلا أن هذه الدورية التي هي بعنوان "sociologies' Ruralis " لم تظهر إلا في عام 1960م , ولكنها تعاني من عدم الانتظام في النشر نتيجة لقلة البحوث والمتخصصين وقد ظهر تباعًا , بالإضافة إلى هذه المجلة عدة مجلات قومية , فظهرت في بلجيكا مجلة ربع سنوية متخصصة في ظواهر المجتمع الريفي الاقتصادية والاجتماعية والذيموجرافية والثقافية بعنوان (Rural Scripts) le Cahiers Rnraux وظهرت في ألمانيا مجلة بعنوان التاريخ الريفي والاجتماع الريفي Zeitschrift Fur Agrarwschichte and Aggrarsoziologic. وهي مجلة غير منتظمة كما أنها قليلة الأهمية في هذا الميدان . وفي عام (1961) بدأت الجمعية الإيطالية في علم الاجتماع الريفي في نشر مجلتها بعنوان المجلة الربع سنوية في علم الاجتماع الريفي "Sociologia Rnralis Quanderni" وفي فرنسا ، وفي نفس السنة ظهرت مجله بعنوان "دراسات ريفية مكرسه " وهي مجله ربع سنوية لتاريخ الريف وجغرافيته واجتماعه واقتصاده . ويمكننا أن نلخص موقف تيار الاجتماع الريفي في أوربا الغربية بأنه أي هذا التيار قد حقق تقدماً سريعاً بعد الحرب العالمية الثانية كما أنه ينمو نمواً واعداً . لكن هذا التيار في أوربا يختلف في بغض جوانبه عنه في الولايات المتحدة الأمريكية فهو أي الأوربي ما يزال يهتم بثقافة المجتمعات الريفية وقيمها اهتماماً كبيراً حيث تعالج موضوعات مثل الانتشار في ضوء النظريات الكبرى للانتشار الثقافي من ناحية وفي ضوء القيم والمعايير التقليدية من ناحية أخرى ، وتتضح مثل هذه القضية إذا ما استعرضنا دراسات "برونوبنفيوتي" ((Benvenuti بعنوان ((Frming in Cultural change فقد كتب فصلاً مطولاً عن الخصائص الاجتماعية الثقافية للمجتمع الريفي موضوع دراسته كذلك دراسة فان دون بان (Van den Ban) حيث عالج فيها نفس المشكلة . ومن المعروف أن الاهتمام الأمريكي بثقافة المجتمعات الريفية اهتمام جانبي . وربما يرجع السبب في اهتمام الدراسات الأوربية بالثقافات الريفية إلى أن المجتمعات الريفية في أوربا تختلف عنها في أمريكا فهي مجتمعات تاريخية أو تقليدية أو لها ثقافات خاصة مازالت تتباين فيما بينها . هذا عن "تيار علم الاجتماع الريفي " بالمفهوم الأمريكي ولكن ماذا عن الدراسات الاجتماعية الريفية الأخرى ؟ نستطيع أن نقول باختصار أن هناك دراسات ريفية أخرى قام بإجرائها متخصصون في علم الاجتماع العام أو الأنثروبولوجيا الاجتماعية في أوربا من ناحية وأن هناك مدارس علمية نمت في بعض الجامعات الأوربية وقادت حركة الدراسة العلمية للمجتمع القروي في مختلف أنحاء العالم ، وبخاصة في الدول النامية من ناحية أخرى . فمن الناحية الأولى ظهرت عدة دراسات في بعض الدول الأوربية عن المجتمع القروي إما تكرس جهودها لدراسة مجتمع قروي بوصفه كلا دون التركيز على موضوع أو ظاهرة بعينها أو تعالج موضوعا بعينه داخل مثل هذا المجتمع ولنضرب الآن مثالاً على ذلك بثلاث دراسات على النحو التالي : 1ـ دراسة شاملة عن قرية إنجليزية ظهرت بعنوان :English Village Cosoforth أجراها و. م. وليامز W. M. Williama وهي تتناول مختلف جوانب الحياة الاجتماعية في هذا المجتمع متبنية للمنهج الأنثروبولوجي ، ولذلك نرى الباحث يكرس فصلاً كاملاً مطولاً عن نسق القرابة وعلاقته بالأنساق الأخرى. 2ـ دراسة بعنوان ( اختيار القادة في قرية بوللي بيج ) بأيرلنده الشمالية ، أجراها هاريس Harris وهو يتعرض فيها أولاً لوصف القرية موضوع الدراسة ، ويناقش التقسيمات الدينية فيها وانعكاسها السياسية ، وقد أجريت هذه الدراسة فيما بين عامي (1952ـ 1953) وهو يدرس في هذه القرية على أساس أنثروبولوجي وبدأ تحليله كما سبق أن ذكرنا بدراسة التقسيمات والطوائف الدينية وتأثير هذا التقسيم على الاتجاهات نحو القادة . 3ـ دراسة ب . جالسكي Gakeksi حول "التقسيم الطبقي الاجتماعي " للمناطق الريفية في بولنده . وقد بدأت هذه الدراسة منذ عام (1947) على يد فريق الأخصائيين الملحقين بمعهد الاقتصاد الزراعي بوارسو وكان يستهدف إجراء بحوث عن التغير في البناء الاجتماعي للمناطق الريفية في بولنده ، تلك البحوث التي تعد استمراراً للعمل الذي بدأه معهد الاقتصاد الاجتماعي لما قبل الحرب تحت إشراف العالم الاجتماعي والاقتصادي البولندي الشهير لدفيك كرزفيكي Ludwik Krzywtcbi وتقوم هذه الدراسات جميعاً بما فيها الدراسة الحالية على استخدام المناهج الكمية أو الأساليب الإحصائية في الدراسة ، فظلت البحوث موجهه على أساس جمع معلومات في مدى عدد من السنوات عن طريق كشوف أسئلة في بعض القرى المختارة كنماذج لمنطقة معينه وقد شملت بحوث ما بعد الحرب (148) قرية تضم 18000أسرة ريفية . وقد استعين أيضا بالإحصاءات الحكومية والتقارير الرسمية . كما أجريت عدة زيارات سريعة لهذه القرى المختارة من وقت لآخر . ويمكن أن تعد هذه الدراسة نموذجا دقيقا للدراسات العلمية التي تجري في دول أوربا الشرقية والمعسكر الاشتراكي فقد اتجهت هيئة البحث إلى اختيار موضع هام كما اتجهت أيضا إلى وضع مشكلة البحث في سياقها النظري العام فيقول التقرير مشاكل البحث المتعلقة بالتقسيم الطبقي الريفي لا يمكن تحديدها بدون الإجابة بصورة افتراضية ، عن الأسئلة الأساسية عن التقسيم الطبقي بوجه عام .فعلينا أولا أن نحدد المدلول الحقيقي لكلمة "طبقة" التي تستخدم في كثير من الحالات لتوضيح العنصر الأساسي للبناء الاجتماعي بوجه عام . وقد اهتم فريق البحث في دراسته للبناء الاجتماعي للمناطق الريفية بتحليل العلاقات الطبقية بين الفلاحين ذوي الزراعات الفردية ، وعلى أساس تعريف "لينين" للطبقات ، صنفنا عائلات المزارعين الذين شملتهم أسئلتنا طبقا لملكية وسائل الإنتاج وفصلنا عنها الجماعات الحضرية التي ظهر فيها تفاوت في أوضاعها الاجتماعية لتمييزها طبقا لموضعها في علاقات الملكية وعلاقات العمل وتحديد الروابط الأساسية والمتبادلة بينها . ويهمنا أن نستعين بالملخص الذي ورد في نهاية التقرير في توضيح أبعاد هذه الدراسة الهامة ، ويذهب هذا التلخيص إلى أن دراسة التقسيم الطبقي الريفي تشمل النقاط التالية : 1ـ تعريف الاصطلاح الأساسي " طبقة اجتماعية " التي تستخدم عادة في دراسات التقسيم الطبقي . 2ـ تشخيص الجماعات الطبقية الأساسية في المناطق الريفية التي تؤخذ جميعها من التدرج الأساسي للمركز الاجتماعي بين الريفيين وبذلك يمكن تحديد الخصائص الأساسية للريف كوحدة اجتماعية ، والجماعات التي تتضمنها هذه الوحدة . 3ـ تنظيم أنواع التقسيم الطبقي في مختلف الوحدات الريفية أو الإقليمية وبذلك يمكن تحديد الطبيعة الخاصة للبنيان الاجتماعي الريفي . 4ـ التعرف على الطرق الرئيسية التي تشكل هذا البنيان ، وعلى القوانين التي تتحكم في اتجاه مثل هذه العمليات . وتحتاج دراسة مشاكل هذا التقسيم الطبقي إلى تسجيل وتحليل الحقائق الاقتصادية أولا بأول وقبل كل شيء . ومع ذلك يجب أن يضاف إلى هذه الطريقة ، إذا أردنا أن نحصل على صورة شاملة للمسائل موضوع البحث دراسة النشاط الاجتماعي والعادات والثقافة ، مع أنها تمكننا من ملاحظة العناصر الأساسية للتقسيم الطبقي ، ولذلك يعد منهج التحليل الاقتصادي في دراسات التقسيم الطبقي ذا أهمية أساسية ولكنه مع ذلك غير كاف في ذاته . وتعد هذه الدراسة بحق ، وبالوجه الذي ظهرت عليه في التقرير دراسة رائدة ، من الناحية النظرية والمنهجية وهي ، كما سبق أن ذكرنا تقف دليلا على ما يمكن أن يلعبه التوجيه النظري في اختيار موضوعات البحوث وتأصيلها وإجرائها . تبقى الناحية الثانية التي أشرنا إليها وهي التي مؤداها أن بعض الجامعات الأوربية قد قادت حركة الدراسات القروية في الدول النامية ، وبخاصة بعض جامعات انجلترا التي شجعت الدارسين فيها إلى العودة إلى بلادهم لإجراء دراساتهم في مجتمعاتهم القروية ، ومن ثم وجهت اهتمامهم نحو الاستمرار في هذا الضرب من الدراسات وصدرت معظم هذه الدراسات في سلسلة المكتبة الدراسية لعلم الاجتماع وإعادة البناء الاجتماعي The International Library Sociology and Social Reconstructio . ومنها دراسة حامد عمار عن التنشئة الاجتماعية في قرية مصرية ودراسات ديوب Dube"" عن" قرية هندية" و "قرى الهند المتغيرة " وغير ذلك مما سوف نعرض له بالتفصيل عند حديثنا عن الدراسات الاجتماعية الريفية في الدول النامية . وفي ختام حديثنا عن الدراسات الاجتماعية الريفية في أوربا نستطيع أن نقول إن تيار الاجتماع الريفي في أوربا يعد امتدادا لهذا التيار في أمريكا ويرد إليه ، أما تيار الأنثروبولوجيا الاجتماعية الريفية فيمكن رده مباشرة إلى تراث الأنثروبولوجيا الاجتماعية الأوربي والاتجاه الوظيفي بوجه خاص وهو اتجاه أوربي خالص وانجليزي على وجه التخصيص . أي أن هذا النوع من الدراسات ليس وافدا من الولايات المتحدة الأمريكية إلى أوربا وإنما هو ابن شرعي لها . ومن الأهمية بمكان أن نعاود الإشارة إلى صعوبة الفصل بين تيارين لا ثالث لهما ، وتقف دراسة جالسكي شاهدا على ذلك حيث أنها قد أفادت من الأساليب السوسيولوجية والأنثروبولوجية معا ، ومن الطريف أنها نبعت من معهد الاقتصاد الزراعي ومع ذلك لم تفتقر إلى التأصيل النظري أو المنهجي .

السبت، 14 نوفمبر 2015

محاضرة الدراسة الاجتماعية الريفية في الولايات المتحدة الامريكية

أولاً: الدراسات الاجتماعية الريفية في الولايات المتحدة الأمريكية يعد تيار علم الاجتماع الريفي واحداً من أقدم فروع علم الاجتماع في الولايات المتحدة الأمريكية ويمكن تصنيف عمل أصحاب هذا التيار ، تصنيفاً مبدئياً إلى أربعة نماذج من الإسهامات على النحو التالي : 1ـ دراسة جوانب المجتمع الريفي المستقرة ، أو المتغيرة . 2ـ التحليل التصوري والصياغات النظرية . 3ـ تطوير مناهج البحث وتنميتها . 4ـ الإسهام في وضع سياسة عامة للحياة الريفية . وقد أخذ عدد من أصحاب هذا التيار ، في الثلاثين عاماً الماضية ، يعلقون على إنجازات علم الاجتماع الريفي ، وتمثلت معظم هذه المحاولات في تتبع نمو هذا الميدان وتطوره ، وأوجه نجاحه ، وضروب فشله، لكن أغلب هذه المحاولات كانت تنهض على مجرد الانطباع العام وليس على الفحص المنظم لإطار ممثل من الكتابات والدراسات التي ظهرت في مجاله . ومن أحسن تلك المحاولات التي يمكن الاعتماد عليها تلك التي قام بها "وليام سيويل" لتقويم بحوث علم الاجتماع الريفي في أمريكا مستهدفاً فحص نماذج من اهتمامات هذه البحوث وتقدير كفاءتها المنهجية والنظرية ، وهو العام الذي شهد صدور العدد الأول من هذه المجلة ، حتى عام (1965م) . ومن الجدير بالذكر أن الاهتمام في أي علم اجتماعي يتغير عبر الزمن بتغير الظروف الاجتماعية كالإمكانية المادية ومصادر الدعم ، ونمو الإطار النظري ومناهج البحث والوضع الأكاديمي .ويشهد موقف علم الاجتماع الريفي في أمريكا على ذلك ففي خلال الثلاثين عاماً الماضية حقق علم الاجتماع الريفي مكانة راسخة ونال اعترافاً واسعاً وبخاصة في الكليات التي تعتمد على مصادر الدعم المحلية بوصفة (Land granted colleges ) عادة قسماً صغيراً مستقلاً أو فرعاً داخل نطاق قسم الاقتصاد الزراعي ، بوصفه في حالات محدودة جزءا من قسم أكبر لعلم الاجتماع العام ، أي أن علم الاجتماع الريفي ، من الناحية الأكاديمية مرتبط بكليات الزراعة أكثر من ارتباطه بكليات الآداب . وقد أفاد هذا الارتباط علم الاجتماع الريفي من ناحية وأضر به من ناحية أخرى . فهو من الناحية الأولى قد أتاح فرصة الدعم المالي المنتظم للبحوث والدراسات إلا أنه من الناحية الأخرى قد جعله عرضه للضغوط التنظيمية ، والاهتمامات الإدارية التي أملت طابعاً معيناً على البحوث بحيث تجرى لحل مشكلات عملية مرتبطة بالزراعة والسكان الريفيين . ومن هنا كانت معظم هذه البحوث تعكس اهتمامات الإدارة المشرفة على ميزانيات البحوث أكثر مما تعكس الاهتمامات المدرسية للمتخصصين في الدراسات الريفية ، وترتب على ذلك أنها كانت تعكس أيضاً التغيرات الكبرى التي حدثت وتحدث في مجال الزراعة والحياة الريفية خلال السنوات الماضية ، وربما أعاقت التقاليد العملية والتطبيقية لهذه الكليات ، وارتباطاتها المحلية ، نمو المعايير الأكاديمية والتمسك بها ، وسوف نعاود الإشارة إلى الوضع الأكاديمي هذا في موضع أخر بعد أن نناقش مجالات اهتمام الاجتماع الريفي الأمريكي ، والمتمثلة في البحوث والدراسات التي أجريت في نطاقه وسوف نعتمد في ذلك اعتماداً كبيراً على العرض الذي نشره "سيويل" وأشرنا إليه في موضع سابق . وقد صنف "سيويل" دراسات علم الاجتماع الريفي في أمريكا عبر ثلاثين عاماً وفقاً لنسق تصنيفي ينهض على أساس نقاط التركيز الكبرى وما تنطوي عليه هذه المحاولات الكبرى من موضوعات متخصصة مع إسقاط بعض الدراسات أو ضم البعض إلى دراسات أخرى . وقد قسم البحوث التي نشرت خلال هذه الفترة ، وهي عمر مجلة علم الاجتماع الريفي إلى ثلاث مراحل أو فترات فرعية تمثل كل فترة منها عقداً من الزمان موضحاً العلاقة بين الظروف الاجتماعية والاقتصادية في الولايات المتحدة الأمريكية وبين اهتمامات هذه البحوث والتغيرات التي طرأت عليها . وتقع المرحلة الأولى فيما بين عامي (1936،1945) وهي فترة الأزمات والكساد الاقتصادي والحرب العالمية الثانية التي ترتب عليها مشكلات عديدة عانى منها المجتمع الريفي الأمريكي ، وأثرت في اهتمام المخصصين في دراساته ، وفي هذه المرحلة بالذات بدأ الاهتمام الفيدرالي والمنظم برامج البحوث الريفية ومشروعات العمل في الريف . وتقع المرحلة الثانية فيما بين عامي (1946، 1955) وهي مرحلة نقاهة النظام الاقتصادي العام والتغيرات الكبرى في الاتصال ووسائل الانتقال والميكنة والتحضر ، وهي مسائل أثرت تأثيراً ضخماً في الحياة الريفية وفي عمل أصحاب تيار الاجتماع الريفي هناك . أما المرحلة الثالثة فتقع بين عامي (1956، 1965) وهي مرحلة الاستقرار والرخاء الاقتصادي التي أثرت في المجتمع الأمريكي ككل ، والزراعة المصنعة ، والزراعة المنقطعة أو لبعض الوقت ، ونمو الضواحي ، وارتفاع مستوى المعيشة والتقلص الكبير لسكان المزارع . ويوضح الجدول رقم (1) مجالات الاهتمام الكبرى ، والفرعية خلال هذه العقود الثلاثة : وإذا ما تتبعنا مجالات الاهتمام التي عرضها "سيويل " في الجدول المخصص لذلك نلاحظ أن التنظيم الاجتماعي (Social Organization) بمعناه الواسع الذي يتضمن الجماعات والنظم وجوانب البناء الاجتماعي الأخرى ،يحتل المرتبة الأولى ، ليس في فترة الثلاثين عاماً ككل فقط ، وإنما ظل يحافظ على مكانته هذه خلال العقود الثلاثة . إلا أن هناك مجالاً أخر احتل مكانه مرموقة في الفترة الأولى وذلك هو مجال الرفاهية الاجتماعية والتخطيط أو السياسة الاجتماعية حيث حظي هذا المجال في تلك الفترة بقدر من الاهتمام يفوق الاهتمام الذي ناله موضوع التنظيم الاجتماعي . أما المجال الذي يحتل المرتبة الثانية من الاهتمام خلال فترة الثلاثين عاماً (والمرتبة الأولى في الفترة الأولى ) فهو مجال الرفاهية والسياسة الاجتماعية وهو يضم تشكيله من الموضوعات الموجهة نحو السياسة الاجتماعية والبرامج العملية التطبيقية التي تتصل بمشكلات الحياة الريفية اتصالا وثيقاً وهنا ندرك ارتباط هذا الاهتمام بالتيارات الجارية ارتباطا كبيراً ، فقد كرس أصحاب تيار الاجتماع الريفي جهودهم في الفترة الأولى ، وهي فترة الأزمة الاقتصادية ، نح الاهتمام بالمشكلات التي خلقتها الأزمة حيث نلحظ أن تلثث المقالات المنشورة في هذه الفترة مخصص لمناقشة ومعالجة الرفاهية الاجتماعية الريفية ، والمشكلات الاجتماعية ، والسياسة والتخطيط ، وقد كان ذلك الاهتمام بمثابة انعكاس لمشكلات المرحلة من ناحية والفرص المتاحة من الدعم المالي المتاح لبرامج البحوث والعمل من ناحية أخرى . وقد تقلصت المقالات والدراسات في هذا المجال في الفترة الثانية إلى السدس فقط من المجموع الكلي وفي المرحلة الثالثة إلى أقل من 1/12 من المقالات المنشورة . واحتلت الموضوعات التي تنتمي إلى مباحث علم النفس الاجتماعي مثل دراسات الشخصية والدور والاتجاهات والدوافع والقيم والمطامح والاتصال والقيادة ، احتلت المرتبة الثالثة في الفترة الكلية ، وقد أضحت هذه الموضوعات مجالاً يجذب اهتماماً متزايداً وبخاصة في المرحلة الحديثة . ويمكن أن يفسر هذا الاهتمام المتزايد بوصفه انعكاسا للاهتمام العام المتزايد بالجوانب السيكولوجية للسلوك فيما بعد الحرب العالمية الثانية . وقد شغلت الموضوعات المنهجية بما تنطوي عليه من التكنيكات والاعتبارات المنهجية العامة ، المركز الرابع خلال الفترة الكلية ، ومن الجدير بالذكر أن الاهتمام بهذا المجال قد نما نمواً بطيئاً وإن كان مستمراً وربما يرجع نمو الاهتمام بهذا المجال بين المتخصصين في الاجتماع الريفي إلى الاهتمام به في علم الاجتماع العام وهو ما كان يركز خلال هذه المرحلة على البحث الأمبيريقي والتكنيكات الخاصة بجمع البيانات ومعالجتها والتساؤلات المنهجية العامة ، وقد كان لذلك صدى كبيرا في "علم الاجتماع الريفي" بتقاليده الأمبيريقية الراسخة . واحتل موضوع السكان بتفرعاته المختلفة كاتجاهات النمو السكاني والتركيب ، والتوزيع والخصوبة والوفيات والهجرة المرتبة الخامسة بين مجالات الاهتمام الكبرى ، علماً بأن موضوع السكان هذا يعد واحداً من الموضوعات التقليدية في " علم الاجتماع الريفي " . أما مبحث التغير الاجتماعي فقد نشرت فيه مقالات نظرية ووصفية وتحليلية تعالج موضوعاته المختلفة كالتجديد والانتشار والميكنة والتنمية الاجتماعية والزراعية ، وهي تمثل في جملتها عشر المقالات المنشورة في الفترة الكلية ، لكن هذا المبحث أضحى ينال مزيداً من الاهتمام خلال العشرين عاماً الأخيرة وربما كان الاهتمام الحديث انعكاساً للتغير التكنولوجي في مجال الزراعة ليس في الولايات المتحدة فقط وإنما في مختلف أرجاء العالم . ويوضح هذا المسح التحليلي لتراث الاجتماع الريفي أن التخصصيين فيه قد غيروا اهتماماتهم في المشكلات الاجتماعية الريفية إلى مجالات أخرى ذات أهمية سوسيولوجية ذلك لايعني أنهم هجروا هذه المشكلات ، ولكنهم اتجهوا إلى رؤيتها من منظور سوسيولوجي أكثر رحابة ، كما اتجهوا أيضاً إلى حد ما إلى صوغ مشكلات بحوثهم في ضوء أطر سوسيولوجية ذات معنى ،وتشع هذه الظاهرة بوجه خاص بين شباب العلماء هناك الذين أصبحوا يهتمون بموضوعات سوسيولوجية خالصة كالمشاركة الاجتماعية والقيادة والاتصال والانتشار وغير ذلك ، عاونهم على ذلك تدريبهم وما أٌتيح لهم من فرص تعليمية لم تتح للرواد الأوائل في هذا المجال ومن أبرز هؤلاء "ولكنج" و"روجرز" وغيرهما . وإذا ما انتقلنا من عرض مجالات الاهتمام إلى تقويم المناهج والأدوات التي استخدمت في دراسة موضوعاتها ، يمكن القول باختصار أن أغلب البحوث التي نشرت في عام (1964) في مجلة علم الاجتماع الريفي قد حققت حداً أدنى من المعايير المنهجية الحديثة ، وفشل بعضها في تحقيق هذا الحد الأدنى ، ويمكن القول بأن الجهود التي بذلها علماء الاجتماع الريفي الشبان في بحوثهم ، وبخاصة تلك التي نشرت حديثاً تتمتع بمستوى مرتفع من الكفاءة المنهجية بالنظر إلى المعايير الحديثة في علم الاجتماع العام ، وسواء كان هذا التحسن مجرد انعكاس للتحسن الذي طرأ على مناهج البحث في علم الاجتماع أو كان تقدماً نسبياً لعلم الاجتماع الريفي فإن ذلك يمكن البت فيه إذا ما عقدنا مقارنة بين بعض البحوث التي نشرت في مجلة علم الاجتماع الريفي وبين تلك التي نشرت في المجلة الأمريكية لعلم الاجتماع A.S.R في فترات متزامنة ، والمجال هنا لا يسمح بمثل هذه المقارنة المفصلة ولكننا يمكننا أن نقول إن بحوث علم الاجتماع العام تربط ربطاً محكماً بين النظرية والبحث وتركز على التأمل في دلالة النتائج وأهميتها وموضعها من النظرية السوسيولوجية العامة . يمكننا أن نلتقط من هذا العرض بعض الملامح الرئيسية لموقف تيار علم الاجتماع الريفي في أمريكا نستطيع أن نلخصها فيما يلي : 1ـ كان الاهتمام في المرحلة الأولى وهي مرحلة الأزمات والكوارث السابقة على الحرب العالمية الثانية منصباً على مشكلات المجتمع الريفي لاعتبارات الخدمة الاجتماعية إلا أن البعض كان يعالج موضوعات سوسيولوجية تقليدية كالمجتمع المحلي والتعليم والأسرة والتقسيم الطبقي والهجرة لكنه كانت تعالج أيضاً حينما تعاني من مشكلات معينة ، أي أنها لم تكن تدرس دراسة أساسية ، بل لأهداف تطبيقية وعملية وكانت تستخدم مناهج وإجراءات فجة وساذجة . 2-تحول الاهتمام منذ الحرب العالمية الثانية من المشكلات الاجتماعية إلى الموضوعات ذات الدلالة السوسيولوجية ليس فقط تلك الموضوعات التقليدية في تراث علم الاجتماع الريفي كالتنظيم الاجتماعي وإنما بدأرا يهتمون بموضوعات ذات أهمية كبرى في علم النفس الاجتماعي والاتجاهات والشخصية والمطامح والقيم والقيادة والأنصال الاستشار وغير ذلك . نظرة تقويمية شاملة لتيار الاجتماع الريفي في الولايات المتحدة: قدم علم الاجتماع الريفي في الولايات المتحدة خلال السنوات الأولى من القرن العشرون إسهامات كبرى للإطار النظري في علم الاجتماع ،إلا أن هذه الإسهامات قد تقلصت فيما بعد حيث يستحق كثير من الأعمال في نطاق علم الاجتماع الريفي الأحكام القاسية التي توجه إليها بوصفها نوعاً من اكتشاف الحقائق Fact Finding) إلا أنه ينبغي الإشارة إلى أن المتخصصين في فروع علم الاجتماع الأخرى يهملون معظم الأعمال الجديرة بالاحترام والتي أجريت في نطاق علم الاجتماع الريفي . لقد ساهمت المقاييس والمفاهيم الإيكولوجية التي طورها "جالبين Galpin)) في الجيل الماضي في تطور مدرسة شيكاغو كما ساهمت أيضاً في إثراء التراث العلمي في دراسة المجتمع المحلي كما أسهمت دراسات الميدان الريفي في تقويم واختبار عدد من المناهج الديموجرافية الحديثة ، كذلك أوضح" شولر وكوفمان" Kaufman) Schuler ) جدوى استخدام الإخباري المحلي Locak Informant)) في دراسة التدرج الاجتماعي ، بالإضافة إلى مفهومات مثل المتصل الريفي الحضري ، ودور الأسرة قد سيقت أول ما سيقت في أحضان تيار الاجتماع الريفي. هذا ولا يعيب المختصين في الاجتماع الريفي قلة إسهامهم في تنمية الجوانب العميقة من النظرية السوسيولوجية . فمثل هذا العمل لا يأتي عادة من قبل الباحثين الموجهين إمبريقياً . ومن الجدير بالذكر أن تراث علم الاجتماع الريفي الأمريكي يفتقر إلى الدراسات الثقافية المقارنة بل أن هذا التراث يفقر حتى إلى مجرد عقد مقارنات بين مجتمعات محلية في الولايات المتحدة نفسها ، وربما يرجع ذلك إلى عدم الربط بين النظرية والبحث وإغفال وضع مشكلات البحوث في سياقات نظرية مما يسر إقامة تعميمات كافية . وينبغي أن نشير هنا إلى أن تراثاً متراكماً من نتائج البحوث في حاجة إلى أن يجمع في نسق نظري منظم ، وبخاصة في مجال المشاركة الاجتماعية ومن الجدير بالذكر أن الذين خلصوا إلى تعميمات خاصة بهذا الموضوع ينتمون إلى أقسام الاجتماع بكليات الآداب كما أن هذه الفرصة سانحة أيضاً في مجالات أخرى . وهناك ملاحظة على تناول المتخصصين في الاجتماع الريفي هناك لموضوعات علم الاجتماع التقليدي والهامة فهم حين يدرسون الأسرة يختزلونها إلى مجرد أسلوب حياتها ، ثم هم يلجأون في بعض الأحيان إلى استخدامات التكنيكات الأنثروبولوجية التي لا يمكنهم تدريبهم فيها من استخدامها بمهارة بحكم انتماءه لكليات الزراعة ذات الطابع الخاص هناك ، فتخرج دراستهم سطحية إذا ما قورنت بدراسات علماء الاجتماع الآخرين . وهناك مجال واحد بالتحديد اقتحم فيه هؤلاء المتخصصون أرضاً جديدة وذلك هو مجال "انتشار المهارات الفنية " وقد نبع الاهتمام بهذا الموضوع من الاتجاه العملي لكليات الزراعة كما نبع أيضاً من أهميته من حيث كونه يلقي ضوءاً جديداً على العمليات الثقافية ويبدو أن هذا الموضوع من أهم من عكف علية أولئك المتخصصون فهو يعد نقطة مركزية تلتقي عندها معظم العلوم الاجتماعية وموضوعاتها ، علم النفس الاجتماعي والاجتماع ، الأنثروبولوجيا ويرجع الفضل في طرق هذا الموضوع طرقاً سوسيولوجياً إلى "أيوجين ولكننج" (E.Wilkening) الذي أدرك أن التغيرات التي تطرأ على المهارات الزراعية وانتشارها ويمكن أن تدرس في ضوء التغيرات السيكولوجية والاجتماعية والثقافية وأن مسألة التبني يمكن أن تعالج بواسطة الاتجاه الاجتماعي النفسي ، وقد كتب حول ذلك الموضوع يقول أن موضوع تقبل الأساليب الزراعية الحديثة هو أحد مجالات الدراسة الأكثر رحابه ألا وهو التغير التكنولوجي ويعد هذا المجال من أبرز الميادين التي تشد المتخصصين في علم الاجتماع ... وبينما تحقق أساليب الزراعة غايات وأهدافاً اقتصادية إلا أن "فيبلن وبارسونز" قد وجها الاهتمام إلى أن السلوك الاقتصادي لا يمكن فهمه فهماً كافياً بمعزل عن العوامل الغير اقتصادية ، فالقرارات التي يتخذها المزارع في عملياته اليومية تتأثر بدرجات متفاوتة بعلاقاته الاجتماعية وبنسق الأفكار والقيم والمشاعر التي ينتمي إليها وينفعل بها . وقد استطاع "ولكنج" في صياغته لفروض دراسته مستعيناً بأعمال "وسيلر" Wissler) ) و"مالينوفكسي" Malinowski) ) و"جون جيلين" حيث فهو هؤلاء الأنثروبولوجيون انتشار السمات الثقافية في ضوء دور هذه السمات ووظائفها في المركب الثقافي للمجتمع كما استعان أيضاً بتحليل "كورنت ليفين" Lewin) ) لمشكلة تغير العادات الغذائية أثناء الحرب في ضوء العوامل الموقفية والدافعية . وتوضح لنا هذه الإشارة السريعة لعمل "ولكننج" ، أهمية هذا الموضوع والجهود التي بذلت لتأصيله وربطه بمختلف العلوم الاجتماعية ومن الملاحظ أن الدراسات في هذا الموضوع تنمو الآن نمواً مستمراً ومتزايداً بحيث نستطيع أن نقول إن أصحاب الاجتماع الريفي في أمريكا واضحة كما أن معالجة مثل هذا الموضوع بالذات قد أدخلت تحسينات هامة على مناهجهم في البحث والدراسة فهم يميلون في معالجته إلى وضع المشكلة في سياقها النظري ، والالتزام بالتوجيهات النظرية ، على النحو الذي تبدى من خلال إشارتنا السريعة لإسهام ولكننج . وفي ختام حديثنا عن تيار علم الاجتماع الريفي في الولايات المتحدة نستطيع أن نقول ، إحقاقاً للحق إن هناك بعض الباحثين الآن يبذلون جهوداً لتجميع النتائج المتراكمة والخاصة بعدد من مجالات البحث في المجتمع الريفي وبخاصة في مجالات الانتشار "روجرز" والتغير الاجتماعي . والأنساق الاجتماعية الريفية "لومس ويجل" . ونمو هذا الاتجاه خليق بأن يتيح الفرصة لعقد المقارنات المحلية والثقافية وخليق بالتالي أن يسهم في نمو النظرية السوسيولوجية العامة من هذه الجوانب المشار إليها وتنعكس هذه الإسهامات الآن شيئاً فشيئاً على المؤلفات المدرسية لعلم الاجتماع الريفي التي تظهر في الولايات المتحدة والتي ظلت لفترة طويلة لا ترقى إلى مستوى مؤلفات الدرجة الثاني في فروع علم الاجتماع الأخرى من حيث تصنيفها ، والموضوعات التي تعالجها وأسلوب هذه المعالجة بحيث يمكن الاعتماد على عدد محدود جداً منها فقط لسطحيتها وطابعها المحلي الخالص . يبقى أمامنا الآن في معالجتنا لموقف الدراسات الاجتماعية الريفية في الولايات المتحدة أن نشير إلى التيار الثاني من هذه الدراسات ونعني تيار الأنثروبولوجيا الريفية إن صح إطلاق مثل هذه التسمية . سبق أن ذكرنا أن تيار الأنثروبولوجيا الريفية يمكن رده إلى الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية والاتجاه الوظيفي منها بخاصة ، من ناحية وإلى تقاليد مدرسة شيكاغو التي بلورها "روبرت ردفيلد" من ناحية أخرى وقد أشرنا في موضع سابق إلى أن "جلبين" وهو من رواد تيار الاجتماع الريفي قد أسهم بمقاييسه الايكولوجية في نمو هذه المدرسة وتطورها وهو من ناحية أخرى من أوائل الذين أخرجوا مؤلفات مدرسية في علم الاجتماع الريفي بالاشتراك مع "سوروكن و وزمرمان" معنى ذلك أنه ليس هناك انفصال تام بين تياري الاجتماع الريفي الأنثروبولوجيا الريفية فقد تبادلا معاً التأثير وربما يعكس هذا التأثير المتبادل ذلك الفرع الذي يعرف الآن في الولايات المتحدة لسوسيولوجيا المجتمع المحلي Sociology of community ) . وحينما نحاول الإشارة إلى موقف الأنثروبولوجيا الريفية في الولايات المتحدة نواجه بمقارنة مشوقة ، فبينما تبلورَ هذا الاتجاه ، ووضعت قواعده فيها فإنه لم يجد في مجتمعاتها أرضاً صالحة للدراسة فهو مرتبط ، أو ارتبط تاريخياً بالمجتمعات القروية التقليدية المتخلفة وهي أنماط غير معروفة في الولايات المتحدة ذاتها ومن ثم اتجه أصحابه إلى مناطق أخرى من العالم لدراستها وتناوله وقد نالت أمريكا اللاتينية جل اهتمام هؤلاء الباحثين ، وهي قدمت فرصة سانحة بمجتمعاتها القروية التقليدية ، أمام هؤلاء الباحثين للدراسة وفقاً لهذا الاتجاه ومن أكثر الدراسات شهرة تلك التي قام بإجرائها "روبرت ردفيلد" في مقاطعة " يوكاتان" بالمكسيك حيث درس عدة أنماط متدرجة من المجتمعات تضم قرية صغيرة ذات ثقافة شعبية ، ومجتمعاً فردياً صغيراً ، ومركزاً حضرياً صغيراً ومدينه "Meria " كذلك دراسة "أوسكار لويس" Lewis ) لمجتمع تبوزتلان "Tepoztlan ) ، وقد مارست هذه الدراسات تأثيراً قوياً على عدد كبير من الباحثين في الدول النامية ، كما نجحت إلى حد كبير في تحليل المجتمع القروي وفهمه بوصفه كلاً متسانداً مع وضعنا في الاعتبار ذلك الانتقاد الذي يوجه إلى هؤلاء الانثروبولوجيين والذي يتمثل في لأن ما يعدونه قرى قد تكون مدناً أو أسواق صغيرة تمد وحدات أصغر منها ، وهي الوحدات الريفية الحقيقية بالخدمات الاقتصادية والسياسية والإدارية ، ومن ثم فإن مجتمع "تبوزتلان" قد درس مات عديدة من منظور غير صحيح ، حيث توضح بيانات أوسكار لويس أن هذا المجتمع كان يضم وقت دراسته أكثر من أربعة آلاف نسمة ، كما كان أيضاً ، ولفترة طويلة مقراً للإشراف الحكومي ، ومركزاً اقتصادياً لعدد من المجتمعات الأصغر التي تضم كل منها أقل من خمسمائة نسمة ، ومما لا شك فيه أن سكان هذه الوحدات الأصغر والمحيطة بتبوزتلان كانوا ينظرون إليها باعتبارها الواجهة المطلة على العالم الخارجي . وربما عدنا إلى مناقشة أبعاد هذا الاتجاه مناقشه أكثر تفصيلاً في حديثنا عن علم الاجتماع الريفي في الدول النامية وفي مصر حيث كان له صدى قريب ظهر في كثير من الدراسات الهامة والجادة والتي أجريت في هذه الدول . وفي نهاية عرضنا وتقويمنا لموقف الدراسات الاجتماعية الريفية في الولايات المتحدة لابد أن نشير إلى أن إطالتنا في العرض إنما هي إطالة هادفة حيث أن موقف هذه الدراسات في هذا المكان بالذات خليق بأن يفسر لنا جانباً كبيراً من موقف هذه الدراسات في المناطق الأخرى من العالم ، سواء أوروبا أو العالم النامي وسوف يتضح ذلك بالتفصيل في موضعه .

السبت، 7 نوفمبر 2015

محاضرة عن النظم الاجتماعية في الريف " الاسر الريفية "

النظم الاجتماعية في الريف الأسر الريفية يعتبر النظام الاسري من أقدم النظم الاجتماعية التي تواجدت في المجتمعات. فنحن لا نعلم عن أي مجتمع لم يكن فيه تنظيم للزواج. وقد يختلف هذا التنظيم من مجتمع إلى آخر ولكنه متواجد في جميع المجتمعات. وظائف الأسرة: النظام الأسري كأي نظام اجتماعي هو تنظيم يتواضع عليه المجتمع لأنه يعينه على تأدية وظائف هامة وحيوية للحياة الاجتماعية. ونستعرض أهم الوظائف التي يؤديها النظام الأسري في مختلف المجتمعات الانسانية في الوظائف الآتية: 1 – يعتبر التكاثر من أولى الوظائف التي تقوم بها الأسرة. فلابد للجميع أن يتكاثر حتى يمكنه أن يستمر في بقائه. فهذه الوظيفية التي تؤديها الأسرة هي التي تعمل على استمرارية السكان. 2 – تنظيم إشباع الدافع الجنسي بشكل يبقى على المجتمع كيانه ومعاييره وقيمه. 3 – رعاية الأبناء في الطفولة فالإنسان تعتبر أطول فترة طفولته معروفة في المملكة الحيوانية والطفل الأدمي عاجز أن يشبع حاجاته الأساسية بنفسه ومالم يتوافر له من يقوم على رعايته فلا يمكنه البقاء و الحياة ولذلك فإن الأسرة تقوم عادة برعاية أطفالها خصوصاً في الفترة الأولى في حياتهم التي لا تقل عن سنة وتزداد في المجتمعات الحديثة إلى حوالي العشرين سنة. 4 – النشأة الاجتماعية للأجيال الجديدة فالأسرة تقوم بالدور الأساسي في تلقي الثقافة لأفرادها الجدد. فالطفل كما نعلم يولد كائن اجتماعي بعد ولادته وبعد أن يبدأ في تفاعله مع أسرته وإذا كان هناك جماعات أخرى لجماعة كجماعة اللعب والمدرسة وغيرها تقوم بدورها في عملية النشأة الاجتماعية لأعضاء المجتمع الجدد ، فأن الاسرة هي التي تقوم بالدور الأساسي والأهم في هذه عملية النشأة الاجتماعية لأعضاء المجتمع الجدد ، فأن الاسرة هي التي تقوم بالدور الأساسي والاهم في هذه العملية الاجتماعية. 5 – الرقابة الاجتماعية على أفراد الاسرة ، فالواقع أن الاسرة جماعه أولية بل هي المثل الأول –لجماعة الأولية "جماعة الوجه للوجه" وفي مثل هذه الجماعة كما نعلم يتوفر جو الضبط الاجتماعية غير الرسمي الذي يعتمد على رقابة الأفراد على سلوك بعضهم رقابة وثيقة فعاله. والأسرة لا تقتصر رقابتها على أفرادها في سلوكهم داخل الأسرة فحسب بل تتعدى إلى الرقابة على سلوك داخل الاسرة فحسب بل تتعدى إلى الرقابة على سلوك أفرادها في جماعتهم الخارجية. 6 – توفير الحاجات النفسية لأفرادها. فالمعروف أن هناك بعض الحاجات النفسية يحتاج إليها الفرد لتكون شخصية سوية. فكل فرد يحتاج إلى أن يحب to love وأن يحب ، وأن يعترف به ، وأن يستجاب له ، وأن يشعر بالأمن والطمأنينة ، والأسرة خير من يوفر هذه الحاجات لأفرادها حتى ولو تنكرت لهم الجماعات الأخرى هذا وقد كانت الأسرة في الماضي تقوم بوظائف أخرى عديدة انتقلت مع الوقت إلى نظم اجتماعية أخرى. الوظائف الإضافية للأسرة الريفية العربية: وللأسرة في مجتمعنا الريفي وظائف أخرى تقوم بها بجانب ما سبق ذكره من الوظائف العامة للأسرة. وقد تختلف هذه الوظائف الإضافية في أهميتها باختلاف المجتمعات إلا أنها لا زالت تقوم بها الأسرة الريفي إلى درجة ما. ويمكن تلخيص هذه الوظائف الإضافية في الآتي: 1 – تقوم الاسرة بوظيفة إنتاجية هامة. حيث يتعاون أفرادها تعاون وثيقاً في العمل والانتاج الزراعي فيقسم العمل بينهم بشكل يتكامل فيه الانتاج. 2 – تقوم الأسرة بدور هام في تحديد المكانات الاجتماعية لأفرادها فلا زالت المكانات المنسبة لها دور واضح في مجتمعنا الريفي. ويهتم الفلاحون عادة بالنسب حيث يتمثل النسب أحد العوامل التي تلعب دوراً هاماً في تحديد المكانة الاجتماعية للأفراد. 3 – يعتمد أفراد الأسرة في كثير من المجتمعات الريفية وخاصة الأكثر عزلة منها على عائلتهم في حماية أنفسهم. وتعرف هذه الظاهرة باسم العزوة بين أبناء الريف فيقولون إن فلاناً له عزوة أي له عائلة تسانده وتحميه وظاهرة الأخذ بالثأر في بعض المجتمعات هي مغالاة في هذا الاتجاه والملاحظ بطبيعة الحال أن زيادة اتصال المجتمع المحلي بالمجتمعات الأخرى وخروجه عن عزلته يضعف من هذه الوظيفة ويلقي بمسئوليتها كامله تقريباً على الحكومة. 4 – لازالت الأسرة الريفية تقوم بوظيفة هامة في الإعداد والتدريب المهني لأفرادها. خصائص الأسرة الريفية الأسرة الريفية كما ذكرنا ، وحدة إنتاجية يتعاون أفرادها تعاوناً وثيقاً في إنتاجهم مما يزيد من تدعيم الأسرة وتماسكها فيمكن تلخيص أهم مميزات وخصائص هذه الأسرة في النحو الآتي: 1 – الأسرة الريفية أسرة ذات سلطة أبوية فالأب في الأسرة هو صاحب السلطة العليا والواقع أن مظهر السلطة الأبوية في الأسرة الريفية قوي وظاهر. وقد تبين أن هذا المظهر المطلق للسلطة لا يتفق مع حقيقة نفوذ الأب للأسرة فقد ظهر أن المرأة الريفية نفوذ لا بأس به أفراد أسرتها قد لا يوحي بها مظهر سلطة الاب المطلقة. 2 – كان النوع السائد بين الأسرة الريفية هو الأسرة المركبة أي التي تتكون من أكثر من أسرة بسيطة في معيشة منزلية واحدة "الأسرة البسيطة هي الزوج والزوجة وأطفالها" إلا أن الدراسات الأخيرة إلى بعض القرى في مصر أظهرت أن هنالك اتجاهاً واضحاً نحو تفكك الأسر المركبة إلى أسر بسيطة. ويبدو أن العامل المسبب لذلك ليس التحضر الذي له عادة دوراً كبيراً في التأثير في ذلك الاتجاه في كثير بلدان العالم يرجع السبب الرئيسي إلى عامل الميراث الأرض فالأرض هي كما بينا سلعة نادرة يتكالب الفلاحون على ملكيتها ، وسرعان ما تبدأ المنازعات بين أبناء الاسرة الواحد عند تقسيم الميراث وينفصل كل منهم بأرضه وحياته المنزلية. 3 – تلعب الارض و فلاحتها دوراً كبيراً في تكوين الاسرة الريفية فمليكة الأرض أو احتمال مليكتها عن طريق الميراث يعتبر أحد الاسس الهامه التي يقوم عليها اختيار الزوج أو الزوجة وبالرغم من اهتمام الريفيين بالنسب والأخلاق أو السمعة عند تكوين أسرهم فأن ملكية الارض "الحالية أو الآجلة" تفوق هذه الصفات في الأمر. 4 – تتميز الاسرة الريفية كبر حجمها وكثرة مواليدها ويحتوي الأسرة بصفة خاصة بمولدها الذكور وترجع أسباب كثرة المواليد في الأسرة إلى العوامل الآتية: أ – يعتبر أهل الريف أن أكبر حجم الاسرة عامل مدعم لعزوتها وقوتها. ب – تنظر الأسرة إلى أبنائها كمصدر للدخل أكثر منهم باب للتكلفة. فالحياة القرية البسيطة وأما في غالبية الفلاحين في تربية أولادهم أما في متواضعة لا تشعر الفلاح بعبء المسئولية في توفير حاجات مثيرة لأبنائه. كما أن العوامل المساعدة على ذلك الاتكالية التي تتضح في قول الفلاحين "اللي يجي رزقه معاه" هذا ويلاحظ ان انتشار استغلال الاطفال في العمل الزراعي "يمثل الأطفال حوالي 460% من القوة العاملة في الزراعة" يوحي إلى عائلاتهم بأن الأطفال في الواقع عامل مساعدة على زيادة دخل الأسرة. ج – موقف الزوجة الضعيف تحت التهديد الدائم المستمر بحق الرجل المطلق في الزواج بأكثر من واحدة ، الشيء الذي يجعل المرأة تهتم اهتماماً خاصاً بزيادة عدد الأطفال تدعيماً لمركزها مع زوجها وحماية لأسرتها. د – عدم إلمام الفلاحين بوسائل تنظيم النسل ، وعدم توفير المقدرة المالية التي تعين من يلم بها من الحصول عليها. هـ - عدم انتشار الإضاءة الكهربائية في القرية ، وقلة فرص الترويج يؤديان إلى أن يأوي الفلاحين إلى مساكنهم في أعقاب غروب الشمس وصلاة العشاء وعليه فأن فرص الاتصال بين الزوجين تزداد ، وتزداد تبعاً لها فرص الحمل. 5 – يشكل حق الرجل المطلق في تعدد الزوجات خطراً يهدد سلامة الأسرة ويؤثر على سلامة الحياة العائلية: بالرغم من أن نسبة المتزوجين بأكثر من واحدة من المسلمين يمثل نسبة ضئيلة طبقاً للإحصائيات النهائية إلا أنه كما يتبين أن الجدولين رقم 15 ، 16 فأن عدد من يتزوجون كل عام وفي عصمتهم زوجة أو أكثر يبلغون من المسلمين عامة لا يزيد عن 3,6% والسبب في ذلك بطبيعة الحال هو أن حالات طلاق كثيرة تنجم عن تعدد الزوجات مما يخفض النسبة من 7% إلى 3,6% للمتزوجين بأكثر من واحدة.

محاضرة الاستيطان الريفي

أشكال الاستيطان الريفي أولاً: المزرعة المنفردة: في هذا الشكل يبني المزارع منزله على أرض مزرعته وينتشر هذا الشكل في البلاد التي تكون المساحات الملكية الزراعية بها كبيرة مثل أمريكان الشمالية وأمريكا الجنوبية وهذا الشكل أقرب ما يكون لما يعرف في الريف العربي بـ"العزبة" أو "الضيعة" حيث يوجد منزل المالك ومنشآت المزرعة ومنازل العمال مقامة على أرض المالك نفسه. مزايا المزرعة المنفردة 1 – أن المزارع يعيش وسط مزرعته بحيث يواليها بإشرافه بشكل دائم ومباشر. 2 – نظراً لوجود منشآت المزرعة على أرضها فإن مصاريف النقل تقل في هذا الشكل من أشكال الاستيطان بدرجة كبيرة. عيوب المزرعة المنفردة: 1 – العزلة : فسكان المزرعة المنفردة يعانون من عزلتهم وبعدهم عن الاجتماع والاتصال بالآخرين. 2 – ارتفاع نفقات المرافق كالكهرباء والمياه حيث يتكفل صاحب المزرعة المنفردة وحده بجميع تكاليف الإنشاء والإدارة والصيانة. 3 – ارتفاع نفقات الخدمات العامة حيث تواجه الدولة صعوبة كبيرة في نشر الخدمات العامة لتباعد المساكن والناس عن بعضهم لمسافات طويلة. ثانياً: القرية عبر الطريق: وهي محاولة للاحتفاظ بمزايا المزرعة المنفردة مع الإقلال من عيوبها وفي هذا الشكل من أشكال الاستيطان يعمد المزارعون إلى بناء منازلهم ومنشآتهم على أرضهم في المكان الذي تلتقي في أملاك غيرهم من الجيران فيجتمع بذلك عدد من المنازل في مجتمع متقارب وهذا يخفف من قسوة الوحدة ويزيد من متعة الاجتماع بالآخرين كما يقلل من نفقات المحافظة على الامن ومن نفقات إدخال بعض التسهيلات المنزلية كالكهرباء والماء في منازلهم في حالة اشتراكهم في إقامتها ويوجد هذا الشكل في المجتمع الريفي في بعض الدول العربية فنجد أن المنازل تشيد عن التقاء حدود الأراضي بحيث تجمع في كل الدول العربية فنجد أن خمسة بيوت للملاك بجانب منازل العمال ومنشآت المزرعة. ثالثاً: القرية الخطية: وهذا الشكل يعتبر من أقدم الأشكال حيث كان القرى تبنى على طول طريق مواصلات عام كالأنهار فتأخذ شكلاً خطياً وعاد هذا الشكل إلى الظهور حديثاً بعد انتشار طرق المواصلات ويعمد بعض المزارعين إلى الاستفادة من السيارات المارة في هذه الطرق بتوفير بعض الخدمات لها كإنشاء طلبات البنزين والمطاعم وأماكن للنوم لتكون مورداً جانبياً للمزارع يزيد من دخله. رابعاً: القرية: وهو شكل الاستيطان السائد في الريف في الدول العربية وفي معظم أنحاء آسيا وأفريقيا وأوروبا وفي هذا الشكل يعيش الناس في منازل المتجاورة في قريتهم ويخرجون من قريتهم في الصباح ليذهبوا إلى حقولهم للعمل ويعودوا منها إلى قريتهم في المساء فالقرية مكان للسكن يبعد عن الحقول وقد تبعد القرية عن المزارع مسافات طويلة تبلغ أحياناً عدة كيلو مترات. مزايا القرية 1 – التمتع بالحياة الاجتماعية والاتصال بالآخرين. 2 – انخفاض تكاليف التسهيلات المنزلية كإنشاء المرافق العامة كالماء والإضاءة. 3 – انخفاض تكاليف تقديم الخدمات العامة كالمدراس والمستشفيات والمحافظة على الأمن. عيوب القرية: 1 – بعد المزارع عن مزرعته مما لا يتيح لها إشرافاً دائماً على عمله. 2 – ارتفاع تكاليف النقل لبعد الزرعة عن المنشآت والمخازن.

محاضرة عن القضاء البدوي

القضاء البدوي: القضاء قديم عند البدو قدم حياتهم البدوية ، ويعتبر النابغة الذبياني قاضياً بين الشعراء ، فقد كانوا ينصبون له قبة من أدم ويتقدم الشعراء بين يديه لإلقاء قصائدهم ، وكان يحكم ويبين من أكثر شاعرية بينهم ، ويبدو أن المعلقات كانت تلقى في هذا السوق وما نال استحسان الناس وقبولهم يتم تعليقه على جدران الكبعة في مكة ليزيد انتشاره بين الناس. وحياة الناس قديماً وحديثاً مليئة بالمشكلات والنزاعات والصراعات وهذا يحتاج إلى وجود جهة تحكم بينهم ، أو تجري الصلح بين الجهات المختلفة ، وكان معظم الأحكام في المجتمعات القديمة غير مكتوب ، وإنما يتناقلها الناس مشافهة ويتعارفون عليها ، ولقد تطورت مؤسسة القضاء مع تطور المجتمعات ، وكان للإسلام دور كبير وبارز في هذا الشأن حيث بين الأحكام المختلفة لكثير من القضايا التي كانت ولا تزال منتشرة بين الناس مثل القتل ، والجروح ، والسرقة والزنا ، والاعتداء على الممتلكات وغيرها من جوانب الخلاف والنزاع بين الناس. ولقد كتب كثيرون عن القضاء عند البدو ، وأثنوا على إجراءاته ، وأنها موافقة للشريعة الاسلامية في الغالبية العظمى منها ، بل إن بعض قضاة البادية لديه إطلاع ومعرفة بكثير من أحكام الشريعة في القضايا المختلفة ، يقول خير الدين الزركلي "من تتبع أحكام القضاء في بادية الحجاز ، وعرف طرائقه وأساليبه ، أعجب به كل الاعجاب ، ورأى انتظاماً محكماً ، وقوانين متوارثة ، تتفق مع عاداتهم وأخلاقهم وسيرهم في الحياة الاجتماعية. ومن الخطأ أن يظن ظان أن قبائل العرب في البادية مطلقو السراح ، ملقى حبل كل منهم على غاربه ، بل إن هناك محاكم وقضاة أشبه بمحاكم الحضر وقضاتهم ، فترى القاضي الابتدائي والاستئنافي والتمييزي كما نسميه نحن. وهم لا يعرفون هذه الأسماء وإنما يعرفون أن هذا القاضي دور ذاك مكانة ، وفلان دون فلان ، فربما رجعوا إلى الأول في القضية ، فإذا فصل بينمها بما يرضي الفريقين ويقنعهما اكتفوا به ، وإلا رفعوا القضية إلى من هو أرفع منه ، فإذا لم يرو غليلهم قصدوا القاضي الأعلى –وهو كالتمييز- لا يردون له حكماً ، ولا يعدلون عما يقضي به أرضاهم أو أغضبهم" "خير الدين الزركلي ، وما رأيت وسمعت، 1923م المطبعة العربية ، مصر ص:150". وعندما كتب الزركلي كتابه هذا كانت الحياة البدوية في أوجها ، وكانت هي الغالبة على حياة العرب في المشرق والمغرب. وكما ذكر الزركلي عن وجود درجات في القضاء البدوي ، فإن هناك قضاء معرفون في كل قبيلة ، يأتي الناس لهم عندما يختلفون ، وقد يكون بعضهم أعلى واكثر خبرة ودراية من البعض الآخر ، فلا تعرض عليهم إلا القضايا الصعبة والمعقدة ، أما القضايا البسيطة قفد يحكم فيها من هو دونهم ، وتختلف أسماء هؤلاء الحكماء باختلاف القضايا التي اعتادوا النظر فيها وذلك على النحو التالي "محمد زهير مشارقة ، مصدر سابق: 226-227": 1 – الوجه أو الملم: وهم الاشخاص الذين يجتمع عندهم طرفاً الخصومة لأول مرة ، من أجل تعيين نوع داعوهما ، وتحديد القضاة المناسبين لها ، فإذا اتفقا في ذلك الاجتماع على القضاة والموعد ، وإلا سار إلى المعترضة أو الكبار. وسمي الشخص الوجه لوجاهته ، وسمي الملم لأنه يلم ويجمع المتخاصمين ، وقد يكو نمن معاينها أنه ملم وعارف بهذا الموضوع. 2 – المعترضة ، أو الكبار: وهم الأشخاص الذين يحق لهم تعيين نوع الدعوى ، وأن يسموا القضاة الذين يجب على المتخاصمين أن يذهبوا إليهم لعرض القضية ، ويجوز للمعترضة أو الكبار كما يسميهم البعض أن يصلحوا بين الفريقين ، ويحسموا الدعوى. 3 – أهل الديار: إذا كان النزاع على أراض وحدود سيق المتخاصمان إلى أهل الديار ، وبعضهم يسميهم أهل الإقطاعات ، وهم قضاة الأراضي والعقارات ، وغلباً ما يكونون من أصحاب الأملاك الكبيرة ، ومن محمودي السيرة ، ولهم سمعة حسنة وخبرة في مسائل الأراضي والإرث والحدود ، و هذا النوع يشيع بين البدو شبه الرحل ، والبدو المستقرين ، أما البدو الرحل فلا توجد عندهم ملكيات للأراضي لكثرة تنقلهم وترحلهم في الديار ، وإذا نشأ هذا النوع من النزاع فإنه ينشأ بين قبيلة وقبيلة على الحدود والتعدي بالرعي في ممتلكات قبيلة أخرى ، وهذا النوع من النزاع لا يحله إلا شيوخ القبائل الأخرى ، والأعيان ، وقد يؤدي هذا النوع من الخلاف إلى حروب بين القبيلتين المتنازعتين. 4 – أهل الأرسان: إذا كان النزاع على خيل أو إبل ، رفع المتخاصمون قضيتهم إلى أهل الارسان وهم قضاة الخيل والإبل ، وهم متخصصون في فض المنازعات التي تحدث حول الخيل والابل ، من حيث بيعها وشرائها ، والعطب الذي يلحق بها أثناء إعارتها ، أو بيعها من قبل من لا يملكها ، أو لديه شبهة في ملكيتها. 5 – أهل حق الوجه أو المناشد: إذا كان النزاع على قضية عرض أو اقتحام منزل ، سيق الطرفان إلى أهل حق الوجه ، أو المناشد ، وهؤلاء يحكمون في القضايا التي تؤدي إلى بياض الوجه ، ورد الحق لصحابه ، ورد الاعتبار لهم. والمناشد نوعان: أ – منشد قرض وفرض: عند ثبوت القضية وعدم الحاجة إلى برهان. ب – منشد اعتيادي: وهذا للقضايا المشتبه بها والتي تحتاج إلى تمحيص ، وتحليل وشهود وقرائن. 6 – أهل حق الحلال أو الضريبة والزيود: يطلق على المواشي عند البدو والكثير من سكان الأرياف مسمى الحلال ، والبعض يطلقها على الملك ، فيقول هذا حلال فلان ، أي ملكة وحلال له ، وإذا كان النزاع حول ملكية ماشية أو ملكية مال كان التحاكم إلى أهل حق الحلال أو الضريبة أو الزيود ، وهم القضاة الذين يحكمون في مسائل المال مثل الاختلاف على ملكية الأغنام أو الإبل ، أو سرقتها ، أو قضية العداية ، وما ماثل ذلك وهم على درجتين: أ – ضريبة: وهم أضعف حكماً وأقل صلاحية من الزيود. ب – زيود: وهم أشد حكماً ، وأوسع صلاحيات من الضريبة. ج – مناقع الدموم أو القصاصين: إذا كان النزاع من أجل دم ، كقتل أو قطع عضو أو جرح ، مثل الطرفان أما قاضي الدموم أو قاضي القصاص ، وهم القضاة الذين يحكمون في مسائل القتل ، وتقدير الجروح ، وتقييم إصابة الأعضاء ، وما يترتب على ذلك من ديات ، وتعويضات. 8 – أهل العشائر: إذا كان النزاع بين فخذين من قبيلة واحدة ، أو من عشيرة واحدة تم التقاضي إلى من يعرفون بأهل العشائر ليفصلوا بينهم. مراحل التقاضي عند البدو: يمر التقاضي عند البدو بعدد من المراحل وذلك على النحو التالي: 1 – اختيار القاضي: وذلك حسب القضية وحسب التخصص الذي تم التحدث عنه آنفاً. 2 – دفع رسوم المحاكمة "الرزقة": وقد تكون نقدية أو عينية. وفي حالات كثيرة تؤجل هذه المرحلة التي حتى النطق بالحكم ، وعندها يتحمل تكاليف رسوم المحاكمة من تم الحكم عليه ، لأن في هذه الحالة كان على باطل. 3 – المرافعة: بعد ان يجتمع الطرفان أمام القاضي يتقدم المدعي ويبسط دعواه وقضيته ، ويذكر ما لديه من أدلة وبيانات ، ويقسم أنه لا يقول إلا الحق ، ثم يعقبه المدعى عليه داحضاً ما ذكره خصمه نقطة نقطة ، ويجوز لكل من الفريقين اختيار من ينوب عنه في هذا الأمر ، وهذا يشبه توظيف المحامي ، فبعض البدو قد لا يجيد عرض دعواه ، وبعضهم قد لا يجيد الدفاع عن نفسه ، وعندها يختار كل منهم من ينوب عنه ، وغالباً ما يكون من اقاربه ومعارفه ، وغالباً ما يكون بدون أجر. وبعد أن ينتهي المعدي عليه أو كليه قد يعود المدعي ويقدم أدلة أخرى ، أو يثير بعض جوانب القضية ، أو يزيدها إيضاحاً. 4 – الإدلاء بالبيانات: في هذه المرحلة يقدم كل طرف ما لديه من بينات ، سواء أكانوا شهوداً أو علامات ، أو قرائن ، وقد يقدم طرف من الطرفين طعوناً في البينات مثل صلة القرابة ، أو العداوة مع الشاهد ، أو يثبت كذب الشهادة ، وأنه معتاد على قول الزور ، والطعن في دينه واخلاقه. 5 – اليمين: إذا لم يكن هناك بينات كافية ضد المدعي عليه ، فإن القاضي يطبق ما جاء في الشريعة الاسلامية من أن المدعي عليه البينة ، وعلى المدعي عليه اليمين. وقد يطلب اليمين من المدعي في بعض الحالات ، وخاصة إذا كان المعدي ورعاً تقياً ، والمدعي عليه غير ذلك ويمكن يعتبر اليمين مخرجاً ، ومن أمثالهم "قالوا للحرامي احلف ، قال: فرجت". 6 – إصدار الحكم: قبل أن يصدر القاضي حكمه يعيد باختصار مجريات المحاكمة ، ويذكر أدلتها وقرائنها ، ليثبت أنه ملم بتفصيلها ، ثم بعد ذلك يصدر حكمه مقروناً بحيثيات الحكم وقد يطلب القاضي قبل إصدار الحكم من الطريفين تقديم كفيلين لتنفيذ ما يحكم به. اللجوء إلى البشعة في التقاضي: البشعة ، والبعض يسميها "المحلس" طريقة من طرق التقاضي في البوادي وبعض الأرياف ، وفيها يتم إيقاد النار ويوضع فيها محماس ، ثم يطلب من المدعي عليه أن يخرج لسانه ليراه الناس ، ويروا أنه سليم ثم يضع المحماس الساخن على لسانه ، فإذا كواه فهذا يعني أنه مذنب ، وإذا لم يؤثر فيه فهذا يعني أنه بريء ، ويقولون أن المذنب ينشف ريقه لذلك يؤثر فيه المحماس ، أما البريء فيظل ريقه في فمه لأنه واثقه من براءته ولهذا لا يحرقه المحماس ، وهذه طريقة غير دقيقة في الغالب لأن الموقف أحياناً قد يؤدي إلى جفاف ريق البريء ، و من ثم يؤثر فيه المحماس ، ويتم الحكم عليه وهو بريء. ويقال أن هذه الطريقة جاءت من الهند ومن إيران وهي مرتبطة بالشعوذة وعبادة النار في تلك البلدان في العصور القديمة.

محاضرة عن المرأة في المجتمع البدوي

المرأة في المجتمع البدوي: المرأة هي عمود الأسرة ، ومنجبة الأطفال ، ومصنع الرجال ، تحمل كرهاً ، و تضع كرهاً ، وترضع مولودها لمدة قد تصل الحولين الكاملين ، ولهذا أعلا الإسلام من شأنها ، وجعل الجنة تحت أقدم الأمهات ، وجعل لها من أحقية صحبة أبنائها ثلاثة أرباع "75%" وللزوج الربع الباقي "25%" ، والمرأة في المجتمع البدوي لها مكانتها ، ولها دور الأساسي والكبير في الحياة ، فهناك مهن وأعمال كثير لا يقوم بها النساء في الغالب ، وقد يقوم الرجال بمساعدتهن ، مثل جلب الماء ، وجمع الحطب ، وحلب الماشية ، وخض اللبن ، وإعداد الطعام ، وتربية الصغار ، وغير ذلك من الأعمال ، ورغم ذلك فلا نعدم أن نجد في البوادي من يحتقر المرأة ، ويقول عند ذكرها "أكرمكم الله" ، وبعضهم لا يسمح لها بمناداته باسمه الأولى ، والبعض لا ينظر إلى وجهها ، فهي دائماً لابسة للبرقع ، ولا تخلعه أبداً ، وتأكل في وضع لا يسمح للزوج برؤيتها ، وهذه تقاليد تخالف ما جاء به الإسلام وما تدعو به الشريعة من العشرة ، ومن الرؤية للطرف الآخر حتى قبل الزواج فإن ذلك أحرى أن يؤدم بينهما كما قال الرسول صل الله عليه وسلم ، ومع التغيرات الاجتماعية بدأ كثير من تلك العادات الشاذة يتراجع ويختفي. والمرأة البدوية كان لها حرية الحركة وحرية العمل ، وكانت تستقبل الضيوف ، وتقدم لهم الطعام والشراب ، إذا كان زوجها غالباً ، تفعل ذلك وهي متسترة ومحتشمة ، ومحافظة على وقارها ، وشرفها وحيائها ، وبعضهن قد يظهر منها الوجه والكفان فقط ، والبعض تلبس البرقع وكان هذا هو الغالب ، وكانت تتمتع بالشجاعة ، وقد تستخدم السلاح في الدفاع عن نفسها ومال زوجها في حال غيابه ، وزينة البدوية زينة قليلة تتركز في الحناء ، وبعض الوشم ، والكحل ، وبعض القلائد البسيطة ، وقد يستخدمن أبوال الإبل لتنظيف الشعر وقد ثبت مؤخراً جدواه في تلميع الشعر ، وتنظيفه وتقويته ، ومساعدته في مكافحة تساقط الشعر ، وجمال البدويات جمال فطري ، ينطبق عليهن قول المتنبي: حسن الحضارة مجلوبٌ بتطرية *** وفي البداوةِ حسنٌ غيرُ مجلوب.. أو في قوله: "ليس التكحل في العينين كالكحل" ، فالتكحل صناعي ، والكحل ،بفتح الكاف والحاء ، طبيعي وجزء من الخلقة التي خلق الله المرأة عليها ، والبدوية تتزين بالحناء والكحل ، وبعض الوشم ، وتتطيب ببعض النباتات العطرية التي تنبت في الصحراء.

محاضرة عن توطين البدو في المملكة العربية السعودية

توطين البدو في المملكة العربية السعودية دخل الملك عبد العزيز مدينة الرياض في عام 1319هـ الموافق 1902م. وأمضى في معركة توحيد البلاد اثنتين وثلاثين سنة حيث تم إعلان مسمى المملكة العربية السعودية في عام 1351هـ الموافق 1932م ، حيث بدأ رحمه الله معركة جديدة لا تقل اهمية عن معركة التوحيد ، تلكم هي "معركة البناء". ولعل أول هم واجه الملك المؤسس هو كيف يستطيع أن يسيطر ويعلم ويتثقف القبائل البدوية المتنقلة. فكان أن بدأ مشروعه الرائد لتوطين البادية في هجر وقرى مستقرة. أهداف المشروع: 1 – فرض الأمن والاستقرار. 2 – تكوين قوة عسكرية جاهزة للنفير في وقت قياسي. 3 – كسر وحدة القبيلة والحد من نفوذ شيوخها. 4 – سهولة حكم التجمعات السكانية المستقرة. 5 – تنويع مصادر الاقتصاد ، فبدلاً من أن يكون معتمداً على تربية الماشية ، أصبح يعتمد على الزراعة إضافة إلى ذلك. 6 – توفير الأيادي العاملة ، والقوى البشرية المطلوبة للتنمية. 7 – تقديم الخدمات التنموية لهذه التجمعات السكانية ، واستحالة تقديم تلك الخدمات في حالة التنقل والترحال ، ومن تلك الخدمات التعليم والصحية والإسكان وغير ذلك من الخدمات. أسباب نجاح المشروع: 1 – الاهتمام الشخصي من الملك بالمشروع ، ومتابعته المستمرة له. 2 – الاعتماد على فتوى عملية تقتضي بان الاستقرار أولى من الترحل. 3 – كثرة الهبات والعطايا لشيوخ القبائل الذين ألزم الملك معظمهم بالعيش في مدينة الرياض ليكونوا قريبين منه ، وليثقفوا أنفسهم في الحلقات العلمية التي كانت تعقد في المساجد ، وليتمكن بواسطتهم من جمع أكبر عدد من المحاربين في وقت قصير عند الحاجة. 4 – توزيع الأراضي السكنية ، والمساعدة في إقامة المباني عليها . 5 – توزيع الاراضي الزراعية وحفر الآبار لاستخدامات المنازل ، وري المزروعات. 6 – بناء المساجد والمدراس للعبادة والتعليم. 7 – بساطة حياة البدو وبعدها عن التعقيد. النتائج: 1 – تقبل البدو للحياة الجديدة وانخراطهم فيها. 2 – وجود قوة عسكرية ضاربة يمكن للملك أن يستخدمها متى شاء ، فكان يستطيع تجنيد أكثر من عشرين ألف مقاتل في وقت قصير. 3 – بدأ البدو يتعلمون أمور دينهم وبدأت ثقافتهم العملية تتحسن. 4 – كثير من البدو جمعوا بين الحياة الجديدة القائمة على الزراعة ، والحياة القديمة القائمة على تربية الماشية. 5 – نجح الملك عبد العزيز في السيطرة على البدو ومتابعة تحركاتهم ، ومن ثم نجح في بسط الأمن والاستقرار في البلاد. 6 – بتوطين البدو بدأ المجتمع يتجه إلى مفهوم المواطنة بدلاً من مفهوم القبيلة ، ومن ثم بدأت حركات التنقل بين أجزاء الوطن تتزايد. سلبيات المشروع: 1 – قامت كثير الرجال بإسناد عمل الزراعة للنساء والأطفال. 2 – عدم كفاية المساكن لاستيعاب جميع البدو ، ونقص المرافق والخدمات بها. 3 – بعض البدو قام ببيع ماشيته مما أدى إلى نقص الثروة الحيوانية في البلاد. 4 – يرى بعض الكتاب أن هناك فرق بين التوطين والتهجير ، فالتوطين هو تشجيع السكان على الاقامة في بيئتهم وفق عاداتهم وتقاليدهم و بنائهم الاجتماعي ، أما التهجير فهو قسر السكان على الاقامة في مكان غير بيئتهم ويختلف عن عاداتهم وتقاليدهم. 5 – وجود خلافات وصراعات بين مجموعات البدو في الهجرة الواحدة حيث كان يثور بينهم القتال والنزاع بين وقت وآخر ، وكان الملك يتدخل بنفسه أحياناً لفضة ، وإعادة المياه إلى مجاريها.

محاضرة عن اقسام البدو

اقسام البدو: يكمن تقسم البدو حسب تجمعاتهم ونمط حياتهم ، وطرق معيشتهم ، إلى ثلاثة أقسام: 1 – البدو الرحل: وهؤلاء لا يستقرون في مكان معين ، بل يتنقلون بين الأمكنة حسب توفر الماء والكلأ ، ومعظم هذه الفئة يعتمدون على الإبل في حياتهم ، وتكون نجعتهم ورحلاتهم بعيدة المدى ، فقد يتحركون من حدود عمان في جنوب شرق الجزيرة العربية إلى حدود العراق في الشمال ، وهناك فئات قليلة من البدو الرحل تعتمد على الأبقار والأغنام ، ولكن نعجتهم ورحلاتهم لا تكون بعيدة لأن الأبقار والأغنام لا تتحمل الحرت البعيدة ولا تصبر كثيراً على الظمأ مثل الإبل ، ويرى بعض الباحثين أن "البدو الرحل هؤلاء يحتقرون من سواهم ، ويعتزون ببداوتهم اعتزازاً شديدان ولا يطيقون حياة الاستقرار ، لأنهم ألفوا الترحال والتجوال حتى أصبح ذلك ديدنهم... 2 – البدو شبه الرحل: وهؤلاء يأخذون من البدو الترحل بالماشية في بعض شهور السنة ، ويمتهنون الزراعة في الشهور الأخرى ، والبعض يسميهم "البدو نصف الرحل" ، والبعض الآخر يسميهم "الشاوية والأبقار" لاعتمادهم على هذين الصنفين من الحيوانات ، أو على أحدهما ، وهؤلاء نجعتهم قصيرة في الغالب لعدم تحمل الأغنام والأبقار عناء السفر البعيد ، ولعدم رغبتهم في الابتعاد كثيراً عن مزارعهم. وهؤلاء عندما ينتلقون إلى البادية بمواشيهم يخضعون لأعراف وقوانين البادية ، وعندما يعودون إلى مزارعهم يخضعون لأعراف الريف وسكان القرى ، بما في ذلك اللجوء إلى المحاكم لحل مشكلاتهم. 3 – البدو المستقرون: وهؤلاء أقرب إلى سكان الريف منهم إلى البداوة ، ومعظمهم يمتهن الزراعة وتربية الماشية ، ويرعون مواشيهم حول مزارعهم ، وفي تلك المزارع بعد حصادها ، ولا يلجأون إلى الترحل إلا عندما يقسو عليهم الوقت ، ويتعاقب عليهم المحل والجفاف ، عند ذلك يرحل بعض أفراد الأسرة بالماشية إلى تخوم وأطراف المناطق الزراعية ، وهي مناطق عادة لا توجد فيها زراعة ، وتعتبر مباحة للجميع. البداوة الرعوية يمكننا أن نتعرف على البداوة الرعوية من خلال النقاط التالية: أ – مفهوم البدو والبادية: غير أن تجرنا اللغة إلى متاهاتها البعيدة أو المرهقة نقول أن البادية هي الصحراء ، ومن ينتسب إليها فهو بدوي ، ومن أقام بها فهو متبدى ، والاطار العام الذي يشمل الاقامة في الصحراء والتعود على العيش بها هو البداوة ، وعلى هذا يكون أهل البدو "أي أهل الصحراء" غير أهل الحضر والبدو ، وارتياد الكلأ ، وتتبع مصادر الغيث. وعلى هذا يكون البدوي هو ساكن الصحراء أو البيداء ، والبدو "جمع بدوي" يشكلون في مجموعهم عدداً من القبائل الرحل التي يعيش أعضاؤها في الخيام ويعتمدون على منتجات حيواناتهم بصفة أساسية. ويؤلف البدو الرعاة نسبة لا يستهان بها من سكان العالم ، حيث بلغ تعدادهم بالنسبة لسكان منطقة كالشرق الأوسط مثلاً بما في ذلك البلاد العرية حوالي العشر وأن كانوا يسكنون ويستخدمون في ذات الوقت حوالي تسعة أعشار مساحة أرض المنطقة ، ويقضون معظم أيام السنة في تجوال مستمر سعياً وراء الماء والعشب والذي يحدد دور التجول السنوية للبدو هو حاجات قطعانهم للغذاء حيث يتجولون داخل الصحراء أثناء فصل الشتاء الممطر ، ويستقرون قريباً من العيون والآبار ، وعند أطراف الصحاري خلال شهور الصيف. ب – أشكال البداوة الرعوية: 1 – كان ابن خلدون سابقاً عندما وضع البدو على مستويات ثلاثة تبعاً لدرجة توغلهم في الصحراء ، و بعدهم عن الحضارة ، وأطلقنا على هذا المستويات خلال كتابنا البداوة العربية والتنمية مصطلح "سلم البداوة" المهم إننا نلمح في أقصى السلم البدوي الذي يعتمدون على الإبل في معاشهم ويطلق ابن خلدون على هؤلاء لفظ "الابالة" أي رعاة الابل ، ويليهم في الترتيب "الشاوية" أي أصحاب الشاة وهم رعاة الضأن ، ووضع ابن خلدون معهم على نفس الدرجة " البقارة" أي رعاة البقر ، ويأتي في اسفل السلم "سلم البداوة" الممتهنون للزراعة وهم الذي مارسوا نوع من أنواع الاستقرار في الواحات وحول الابار والوديان أو عند المراكز الحضارية القربية. 2 – يمكن أيضاً التعرف على أشكال البداوة الرعوية من خلال مدى تصل ظاهرة البدواة من عدمه حيث توجد في هذا الشأن أربعة أشكال هي: أ – البداوة الخالصة: وتمارس الجماعة البدوية من خلالها الظعن في قلب الصحاري ، ومن الطبيعي أن يكون دليلها في ذلك هو الجمل بما له من قدرة ومكانة خاصة. ب – البداوة الجزئية: وهي أقل تأصلاً نتيجة لعدم قدرة الحيوان الراعي على التوغل داخل الصحراء وقلة احتماله للجفاف الشديد في قلب الصحراء ، ومن هنا كان هروب البدو بهذا الشكل "خصوصاً الشاوية منهم" إلى أطراف الصحاري. ج – الاستقرار الجزئي: وبدو هذا الشكل قد مارسوا نوعاً من الاستقرار بالقرب من المجاري المائية وعند حواف المناطق الزراعية. د – الاستقرار الجزئي: ويكون البدو من خلاله قد استقروا تماماً واستبدلوا في عاداتهم ونظامهم عادات ونظماً حضارية جديدة وما عادوا من البدو في شيء. ج – أسباب البداوة الرعوية: يمكن حصر هذه الأسباب خلال أربعة نقاط أساسية: 1 – الماء ، على اعتبار انه يشكل هدفاً رئيسياً لتجول البدو حيث يجدون إلى جواره كل أسباب الحياة و الخصب. 2 – المراعي ، حيث لازال الكلأ من أهم العوامل التي تحرك البدو تحدد "مع الحيوان الراعي" طبيعة تجوالهم. 3 – العوامل البيئية والطبيعية ، لأن ما تمارسه من ضغط يشكل سبب رئيسي في حل البدو وترحالهم سعياً وراء ظروف طبيعية أحسن. 4 – الظروف الانسانية تتعرض لها الجماعات الرعوية كالهجرة والغزو والثأر وكلها أمور تؤدي إلى تبدي مجموعات بدوية كثيرة. هل البداوة وقف على الصحراء؟ الصحراء "بكل ظروفها" تفرض على أهلها البداوة ، لكن من الأمور الثابتة أن الصحراء ليست هي المحتوى الوحيد للبداوة بمعنى أن كل صحراء تفرض وخاصة في ظل ظروف التقليدية على أهلها حياة البداوة لكن ليست البداوة قاصرة على الصحراء. والأمثلة على ذلك كثيرة وقديمة قدم الانسانية ذاتها ، ففي أفريقيا لازالت غابات السافانا الاستوائية تضم أفريقيين في حالة بداوة كاملة يمارسون خلالها الصيد والقنص والعري والزراعة المتنقلة. وباعتبار أن البداوة "كمفهوم" تنطلق من السعي والتنقل وراء مصادر الرزق ، فأن البحر في رأينا وفي رأي عدد من الباحثين يعتبر هو الآخر أحد دروب البداوة ، لأن الصياد يمارس من خلاله حياة بدوية تعتمد على التنقل وتتبع مصادر رزقه. وعلى مستوى الوطن العربي.. نجد أن بداوة البحر تلك كانت نمطاً سائداً قبل اكتشاف البترول بعدد من بلدان الخليج العربي وصحراء سيناء المصرية ، حيث كان اعتماد البدو هناك يكاد يكون اعتماداً كاملاً على صيد السمك والغوص بحثاً على اللؤلؤ ، فضلاً عن ركوب البحر نفسه بأغراض التجارة والنقل. وعلى مستوى العالم: كان بداوة البحر تلك ولازالت سائدة لدى القبائل الهندية الساحلية في كندا وغيرها على النحو الذي أوضحناه في الباب الأول من هذا الكتاب. وإذا ما تجاوزنا المفهوم التقليدي للصحراء "باعتبارها صحراء جافة" نجد أن الصحراوات الجليدية المتجمدة تحتضن أنماط متعددة من البداوة كما هو الحال لدى الاسكيمو وعلى النحو الذي شرحناه في الباب الأول من هذا الكتاب. المهم: أن البداوة ليس وفقاً على الصحراء ، وان كانت الصحراء بظروفها الصعبة والقاهرة تفرض على سكان البداوة بالضرورة.

الخميس، 29 أكتوبر 2015

محاضرة أنماط العصبية و أشكالها في المجتمعات القبائلية :

استكمالاً للصورة العامة التي رسمها " ابن خلدون" للعصبية نحب أن نحدد معاً أشكالها و أنماط على الوجه التالي . أولاً – عصبية ذوي الارحام " العائلة أو الدموية " : ويقصد بها عصبية الوحدات الاجتماعية الصغيرة كالأسرة و العائلة و البدنة و الفخذ و الرهط و الفصيلة حيث يتضامن من جميع أفراد هذه الوحدات معاً حيث يستنصر بعضهم للبعض أو بالبعض الآخر إن غنماً , فضلاً عن تعاونهم جميعاً لرعاية مصالح وحداتهم القرابية و الدفاع عنها وعن سمعتها وشرفها و اعتبار ذلك ذودا عن الحمى أي حماية للدين و المال و الولد و العرض و الوطن . ويمكن أن يستدل على مدى قوة و فاعلية عصبية ذوي الارحام و الحرص على رعايتها من قول الله تعالى : ( و أنذر عشيرتك الاقربين , واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين , فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون ) . وليس معنى هذا أن الاسلام كان يحض على إنما هذه العصبية بل العكس هو الصحيح حيث حارب الاسلام المغالاة في تمجيد العصبية بشكل عام ودعاً الى أن تحل وحدة الاسلام و العقيدة محل وحدة العصبية من ذوي القربى ففي سورة الانعام مثلاً دعا القرآن الكريم الى العدل و الحكم بالقسط بين الناس حتى ولو كانوا من ذوي القرابى حيث قال الله تبارك وتعالى : ( و إذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى ) " الانعام 152 " . وبلغ من شدة محاربة الاسلام للعصبية أن عوتب النبي صل الله عليه وسلم و المسلمون عندما استغفروا لذوي قرباهم الذي قرباهم الذين توفوا وهم على شركهم حيث نزلت ضمن سورة التوبة آية تؤكد أنه : ( ما كان للنبي و الذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى ) " التوبة 113 " . الوظائف التي تؤديها عصبية ذوي الارحام : المهم أن عصبية ذوي الارحام تؤدي عدة وظائف في المجتمعات القبائلية البدوية لعل من أهمها : 1- المدافعة و المناصرة ضد العدو أو الخطر المشترك . 2- التعاون و التكاتف سواء لتحقيق المصالح الخاصة أو العامة و إن كانت المصالح و الاهداف ذات الصبغة العامة أو الجماعة لها الاولوية على ما عاداهما من مصالح و أهداف . 3- دفع الثأر وطلبه وفقاً للاعراف و التقاليد البدوية حيث يكون كل واجد منهم مطالباً أو طالباً و مطلوباً للثأر في نفس الوقت حيث عليه أن يأخذ بثأر من قتل من ذوي رحمه أخاه كان أو أباه أو عمه أو ابنه ...الخ وعليه أيضاً أن يكون مستعداً أ مهيئاً للقصاص منه إن كان واحداً من ذوي رحمه قتل شخصاً آخر ولم يتفق الطرفان على دية تدفع لولى الدم . ولو أخذنا المثال من البداوة العربية لتبين لنا أن الدية كما جرت بها التقاليد و الاعراف العربية مدفوعة أو مأخوذة تكون من واجب وحق الرجال من ذوي الارحام . وتسمى " العقل " فإذا ما تم الصلح بين أهل القاتل و أهل القتيل على دفع الدية بعد تحديدها كما ونوعاً وفقاً لما تقضي به الاعراف و التقاليد البدوية و إذا ما تم الاتفاق على قبول الدية بتعاون أهل القاتل في جمعها ودفعها لأهل القتيل بينما يقوم أهل القتيل بتوزيع دية قتيلهم على من كان سيدفع الدية لو كان الثأر مطلوباً منهم أصلاً . هذا ولقد أقر الاسلام الثأر وسماه القصاص ولكن وفقاً لشروط خاصة حيث وردت في سورة الاسراء آية تقول : ( ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصوراً ) " الاسراء 23 " و المقصود بالولي هنا هو صاحب الثأر أو الدم وهو أحد ذوي أرحام القتيل . 4- البر بالضعفاء و غير القادرين من ذوي الارحام و العناية بهم ولقد حض على ذلك القرآن الكريم في أكثر من آية حيث جاء في سورة النحل : ( إن الله يأمر بالعدل و الإحسان و إيتاء ذي القربى ) " النحل 90 " وجاء في سورة الانفال : ( و الذين آمنوا من بعد و هاجروا و جاهدوا معكم فأولئك منكم و أولوا الأرحام بعضهم أولى بعض ) " الانفال 75 " كما جاء في سورة النساء : ( و إذا حضر القسمة أولوا القربى و اليتامى و المساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولاً معروفاً ) " النساء 8 " . ثانياً – العصبية القبائلية أو العشائرية : المقصود بالعصبية القبائلية أو العصبية العشائرية : تلك الرابطة التي تجمع كل أبناء القبيلة على أساس من الولاء لها أينما كانوا وفي كل وقت وبحيث نجد أن ولاء البدوي يكون دوماً لقبيلته بصرف النظر عن المكان الذي يتواجد هو أو توجد عشيرته فيه فالبدوي يتباهى أولا بأنه من قبيلة كذا لا من بلد كذا ويمتد معه هذا الانتماء حتى ولو بلغ بعده المكاني عن قبيلته آلاف الاميال . ومن أبرز المظاهر الاجتماعية لعصبية القبيلة أو العشيرة أن يتضامن كل أفرادها كوحدة تجاه العشائر أو الوحدات القبائلية الاخرى ويبرز ذلك التضامن أثناء الازمات و الحروب حيث يهب الكل لرد أي عدوان يقع سواء على القبيلة ذاتها أو على أحد مكوناتها حيث يعتبر كل واحد من أعضاء القبيلة إن العدوان الذي يقع أو يلحق بأي فرد من أفراد العشيرة أو القبيلة أنما هو عدوان واقع عليه شخصية ويصبح من واجبه أن يرد العدوان بل ويجب عليه أيضاً أن ينصر أخاه ظالماً أو مظلوماً ولو كان بينهما غضاضة . كما أن عصبية القبيلة أو العشيرة توحد بين مختلف المشاعر و الاحاسيس لكل أبناء القبيلة وتجمعهم حول أداء مسئولياتهم المشتركة إن غنماً و إن غرماً . ثالثاً – عصبية التحالف أو عصبية الاحزاب : وهذا النمط كما هو واضح من الاسم يمثل عصبية دخيلة أو هي بتعبير أدق عصبية مصلحة حيث تجد قبيلتان أو أكثر أن من مصلحتهما أن تحددا معاً لمواجهة موقف طارئ لا قبل أو لا قدرة لإحداهما أن تواجه ذلك الخطر أو العدوان بمفردها لذلك تتعاهد القبيلتان وفق ميثاق خاص على أن تناصر كل منهما الاخرى و أن تقف معها صفا واحدا ضد العدو المشترك . ومن هنا فإن ذلك التحالف أو التحزب يؤدي نفس الوظائف التي تؤديها عصبية القبيلة أو العشيرة في غالبية الاحوال كمسائل أو مورد رد العدوان و الثأر وما إليهما وقد يستمر ذلك التحالف أو التحزب لفترات طويلة قد تمتد لعدة أجيال وبحيث لا يمكن فضه إلا بناء على أسباب قوية . رابعاً – عصبية الولاء : الولاء معناه أن يدخل شخصين أو جماعة ما في معية شخص أخر أو جماعة أخرى , وهنا يصبح من دخل في معية أو ولاية غيره يصبح " مولي "له كما تصبح الجماعة " مولى " لغيرها من الجماعات البدوية مهما كان حجمها. ولعصبية " الولاء " قواعد خاصة وترتكز تلك القواعد – أساساً على الرغبة و القبول , الرغبة من الفرد أو الجماعة الطالبة في أن تكون من موالي فرد أو جماعة أخرى و القبول من الفرد أو الجماعة الاخرى لأن يتولى ذلك الفرد أو الجماعة أحد الابناء أو الاعضاء الاصليين لجماعته الجديدة لدرجة أن المولى ووليه كان كل منهما – وفقاً لما تقضي به التقاليد و الاعراف البدوية العربية – كان يرث صاحبه بمقدار السدس في البداوة العربية زمن الجاهلية وحتى صدر الاسلام . المهم أن عصبية الولاء هذه تكتسب عن طريقين : أولهما : الرغبة و القبول بمعنى أن يدخل فرد أو جماعة في ولاية فرد أو جماعة أخرى برضى وقبول كل من الطرفين وعلى النحو السابق لنا ذكره. أما الطريق الثاني لعصبية الولاء فيتمثل في التبني أي أن يكون الواحد مولى للآخر بالتبني وخصوصاً أذا ما كان المتنبي مجهول الاب ولقد شجب الاسلام التبني حيث ورد قوله تعالى في سورة الاحزاب : ( ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم ) " الاحزاب 5 " . وقد كان الولاء يعتمد عند قيامه لدى البداوة العربية القديمة على عهد أو ميثاق معين يشهد الملأ ومن المتواتر في كتب السير أن الرغبة و القبول بين من يريد أن يكون في معية آخر تتم على أساس أن يقول كل منهما لصاحبه :" دمك , وهدمي هدمك , وثأري ثأرك وحربي حربك , وسلمى سلمك ترثني وأرثك وتطلب بي و أطلب ديتك , وطبعاً ليس المولى في النص يعني عبداً أو رقيقاً أو أعجمياً . خامساً – عصبية الاجارة أو الحماية : وترتكز هذه العصبية أساساً على أن يطلب شخص أو جماعة ما أن تكون في حماية شخص أو جماعة أخرى تدفع عنه أو عنهم ظلماً أو عدوانا وقع أو هو وشيك الوقوع وعلى المستجير أو طالب الحماية – فرداً كان أو جماعة - أن يلجأ إلى مجيره و إن قبل الاخير ذلك فعلية أن يلعنه على الملأ ليكون الجميع على علم به وساعتها يعتبر المجار و كأنه واحد من أهل بيت المجير له منه الحماية و الامان ضد من يحاول النيل منه أو إيذاءاه في نفسه أو في ماله . هذا وتخضع عصبية الاجارة لعدة اعتبارات منها أن يعلن المستجير أسم الشخص أو القبيلة المستجار منها : حتى لا يورط مجيره ويجعله يصطدم بقوة لا قبل له بها وعلى المستجير أيضاً أن يلزم الاعراف و التقاليد المرعبة لمن أجاره وعلى المجير كذلك أن يوفر مختلف الضمانات اللازمة لحماية من استجار به حتى ولو دفع في سبيل ذلك حياته . هذا ويظل الجوار ساريا حتى بريئاً من المستجير وغير مسئول عن أية أضرار تقع عليه . وما ورد في سورة التوبة إنما يحض على عصبية الاجارة حتى مع المخالفين في ذلك ولو كانوا محاربين لله ورسوله حيث قال تعالى: ( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ) " التوبة 6 " . سادساً : عصبية التراث : عصبية التراث أو عصبية التقاليد عصبية معنوية أي انها لا ترتكز على التعصب في أي صورة من صور التعصب التي أشرنا إليها سواء كان ذلك التعصب تعصباً لذوي الارحام أو لأبناء العمومة أو الخئولة أو حتى للقبيلة أو لمتحالف أو متحزب أو لولى أو لمستجير و إنما هي تعصب للتراث ..لقديم لكل ما ترمه الآباء و الاجداد . للتقاليد و للأعراف لنماذج السلوك المرعية عند البدو منذ القدم لشيء غير موجود بكيانه المادي ولكنه متغلغل في ضمير ووجدان المجتمعات البدوية وتتمثل فيه فضائل المجتمع وكل مثله العليا وليس المهم أن تكون تلك المثل صالحة أو طالحة , ولكن المهم أنها ما وجدوا عليه آباءهم ولقد جاء في القرآن الكريم ما يؤكد وجود هذا النوع من العصبية من خلال عدة آيات فقد جاء في سورة البقرة قول الله تعالى : ( و إذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون ) " البقرة 170 " كما جاء في سورة الاعراف قوله تبارك وتعالى " و إذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا ولله أمرنا بها " "الاعراف 28 " كما ورد في سورة الزخرف قوله سبحانه تعالى ( إنا وجدنا آباءنا على أمة و إنا على آثارهم مقتدون )" الزخف 23 " وجاء في سورة لقمان قوله تعالى ( و إذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا ) " لقمان 31" . إذن عصبية التراث لم التصبح دينا واجب التقديس و الأداء فقط بل صارت أيضاً عقيدة ودينا واجب الاتباع أيضاً . سابعاً – عصبية الدين أو العقيدة : وهذا النمط من العصبية يرتكز اصلاً على اسس وقواعد مستمدة من روح الدين ولقد حض الدين الاسلامي على عصبية الدين ودعاً لأن تكون هي البديل المرغوب أو الشرعي لأنماط العصبيات الاخرى . ودعاً الاسلام كذلك المجتمع الاسلامي الى التضامن العضوي بين جميع المسلمين أعضاء ذلك المجتمع دعاهم الى التوحد التام أمام مواجهة مختلف الظروف التي تعرض للمجتمع الاسلامي لدرجة أن الاسلام حث المسلم ودعاه الى أن يشد أزر أخية المسلم ويعضده بحيث يكون المسلم للمسلم وبه ومعه كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً كما جاء في الحديث النبوي الشريف . كما حرض الاسلام من خلال أحاديث نبي الاسلام صل الله عليه وسلم الجماعة المسلمة و المجتمع المسلم الى التآزر و التناصر و التضامن و التوحد في غير صراع أو غل ليتحقق للجميع و بالجميع مجتمع أشبه ما يكون بالصورة التي عرفها رسول الله صل الله عليه وسلم ,أمة الاسلام واعتبر المجتمع المسلم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الاعضاء بالسهر و الحمى . هذا ومن ابرز خصائص الدين ما تشيعه – تلك العصبية – في المجتمع الاسلامي من تكافل وتواد وتراحم وحمية وغيرة على الدين و العرض و الوطن تصل الى حد الاستشهاد . ثامناً – العصبية الطوطمية : العصبية الطوطمية ذات أساس ديني وقرابي في نفس الوقت , أساس قرابي لا عتقاد أعضاء الجماعة الطوطمية أنهم جميعاً ينتسبون الى أب واحد هو الطوطم الذي يحملون أسمه كما تسري روح ذلك الطوطم في جسد كل واحد من أعضاء الجماعة الطوطمية وتجعله ابنا أو أخا أو أبا أو جددا أو عما أو خالا أو حتى حفيدا . ومن الطبيعي أن تكون أبوة الطوطم أبوة غير فيزيقية و إن كانت تلك الابوة نفس آثاره الفيزيقية سواء بالنسبة لتحريم الزواج أو غيره من العلاقات الاجتماعية الاخرى .أما عن الاساس الديني للعصبية الطوطمية فذلك راجع لاعتبار أن طوطم يمثل إله الجماعة ومعبودها و لا يجوز أن تدنس روحه بعلاقة جنسية بين عباده حتى ولو كانت تلك العلاقة علاقة زواج . المهم أن العصبية الطوطمية لها نفس خصائص وسمات العصبية " الرحمية" تقريباً و التي سبق أن تحدثنا عنها قبلا من حيث أنها – أي العصبية الطوطمية – تجعل كل اعضاء الجماعة أو الجماعات الطوطمية تتعاون تلقائياً و إجباراً في تسيير مختلف المصالح الاقتصادية وكذلك المشاركة في مختلف المناسبات و الاحتفالات العامة ..الخ . تاسعاً – عصبية الدم و عصبية الطبقة : عصبية الدم أو " أخوة" الدم معروفة لدى عدد من العشائر و الجماعات البدوية , وقد تحدثنا عنها قبلاً بالتفصيل هي وعصبية الطبقة ضمن حديثنا عن " الازاندي و النوير " في غير هذا المكان . عاشراً – رأي في العصبية : خلاصة القول أن " العصبية " حالة تمثل أو تعتبر قمة التعصب و الولاء الطوعي أو الاختياري أحياناً و الجبري أو القسري في أحيان كثيرة من الفرد البدوي أو الجماعة و أية وحدة بنائية بدوية قبل أفراد وجماعات أو عشائر بدوية قرابية على الاطلاق و إنما ينهض على أمور ثقافية معنوية كعصبية التراث وما إليها . ومن البديهي ألا تكون تلك العصبية بمختلف أنماطها قد قامت في فراغ أو من فراغ وبغير هدف و إنما هي نشأت كحالة مواءمة بين البدو وبين مختلف الظروف المحيطة بهم بما يضمن لهم في النهاية الأمن و الحماية و الاستمرار . ومن هنا كان اعتبار كثير من الباحثين للعصبية أنها بمثابة الروح أو هي نوع من الوطنية المتطرفة في العصر الحديث أو هي نوع من التفاني الجبري أو الاختياري الطوعي تذوب فيه شخصية الفرد البدوي في شصية عشيرته أو قبيلته حيث يستمد منها كل مقومات الحياة و المجد و الفخر و الأمن و الأمان و العون ويصبح بدونها كماً مهملاً بغير حام ولا نصير .

الثلاثاء، 20 أكتوبر 2015

محاضرات في العصبية وعلاقتها بنظام القرابة في المجتمعات العشائرية البدوية :

لعل " ابن خلدون "هو أول عالم تناول موضوع العصبية وتحدث عنها بإسهاب مستعرضاً أشكال العصبية ومحدداً صورها المختلفة ومتتبعاً أدوارها في حياة الجماعات العشائرية البدوية . لذلك يحسن في البداية أن نلقي الضوء على فكر " ابن خلدون " الذي تعرض مباشرة لموضوع العصبية وذلك على النحو التالي : أولاً- مصادر العصبية : يرى " ابن خلدون " أن العصبية تعود : الى الطبيعة البشرية و الى أثر القرابة في الحياة الاجتماعية و الى أنها " نزعة طبيعية في البشر مذ كانوا " و اعتبر " ابن خلدون " أن العصبية تتولد من القرابة التي تستند على وحدة النسب وحتى وحدة النسب هذه تبدو على مراتب ودرجات متفاوتة من حيث قوة " الاتحاد و الالتحام " من عدمه . كما وسع " ابن خلدون " مفهوم النسب وضمنه الحلف و الولاء و الدخالة أيضاً كمصدر من مصادر العصبية . ثانياً – العصبية من خصائص البداوة : ومرد ذلك الى أن النسب – الذي اعتبره ابن خلدون أساس العصبية – يبقى محفوظاً وصريحاً في الحياة البدوية " الصحراوية " دون غيرها و العصبية المتولدة عن النسب تكون قوية بفضل تلك الحياة في المجتمعات الصحراوية إلا أن النسب يفقد صراحته و العصبية تفقد قوتها في رحاب الحياة الحضرية بمختلف أنماطها وصورها سواء الريفية منها أو المدنية أو الصناعية ..الخ في رأي " اين خلدون " وذلك للأسباب الآتية : (أ‌) أن حياة البداوة تتضمن شيئاً من العزلة التي تحد كثيراً من اختلاط الانساب . (ب‌) أن حالة البداوة تقضي بطبيعتها وجود عصبية قوية لأن الدفاع عن الحي يتم إلا يد " أنجادهم المعروفين بالشجاعة " هذا على خلاف الحياة الحضرية التي تتولى فيها الدولة مسئولية أمن المواطنين وحمايتهم . ثالثاً – الادوار المختلفة التي تعلبها العصبية في حياة المجتمعات البدوية : وهذا الادوار هي في رأي " ابن خلدون كثيرة وهامة ومتنوعة ويمكن لنا إيجازها على الوجة الآتي : (أ‌) العصبية تحمل الافراد على التناصر و التعاضد في المدافعة و الحماية و المقاتلة من أجل حماية أمن وكيان المجتمع البدوي ضد الاعداء أيا كانوا. (ب‌) تلعب العصبية دوراً هاما في تأسيس الملك وتكون الدولة لأن " الغاية التي تجري إليها العصبية هي الملك "و " الملك إنما يحصل بالتغلب و التغلب إنما يكون بالعصبية " . وليس هذا فقط بل إن " ابن خلدون " يقرر بوضوح أن " اتساع الدولة يكون متناسبا مع قوة تلك العصبية " . (ج) أن العصبية عنصر أساسي في كل أمر يحمل الناس عليه من نبوءة – أي نبوة – أو إقامة ملك أو دعوة أو قتال . رابعاً – العصبية سلاح ذو حدين : فبينما يقرر " ابن خلدون " من جهة أن العصبية ضرورة لتأسيس الدولة يلاحظ من جهة أخرى . أن العصبية قد تعرقل قيام الدولة أو استمرارها , وذلك اذا كانت متعددة ومتخالفة , مع ما يستتبعه ذلك الاختلاف من تنوع في الآراء و الاهواء وما يرتكز عليه هذا التنوع من عصبيات تشد أزره الامر الذي يؤدي في النهاية الى الخروج على الدولة و انهيارها . خامساً – العلاقة بين العصبية و الدين في المجتمعات البدوية : (أ‌) يقول " ابن خلدون " في ذلك " إن الدعوة الدينية من غير عصبية لا تتم إن الشرائع و الديانات وكل أمر يحمل عليه الجمهور لابد فيه من العصبية إذ المطالبة لا تتم إلا به ... فالعصبية ضرورية للملة ." (ب‌) ويلقى ابن خلدون الضوء على التشابه في الادوار و التأثير المتبادل بين كل من العصبية و الدين ويقرر أن:" الديانة تؤلف القلوب وتوحدها الى وجهة واحدة وتذهب التنافس و التحاسد وتحمل على التعاون تماماً كالعصبية حيث إن الدعوة الدينية تزيد الدولة في أصلها قوة على العصبية التي كانت لها من عددها " . (ت‌) هذا ويضيف ابن خلدون أيضاً أن الاجتماع الديني يضاعف قوة العصبية ويجعلها أكثر توهجاً و أقدر على أداء أدوارها . (ث‌) أما عن أثر الدين في حالة أو ظاهرة البداوة فيقرر " ابن خلدون " أن الدين يلعب دوراً هاما في جمع كلمة القبائل وتعاضدهم " وذلك بما يشملهم من الدين المذهب للغلظة و الانفة الوازع عن التحاسد و التنافس . سادساً- العصبية و النسب : صنف " ابن خلدون" النسب – أساس العصبية في رأية – إلى نسب عام ونسب خاص وتعرض عند تحديده لمراتب العصبية الى الاسرة و البيت و البطن و الحي و العشيرة و القبيلة أو " القبيل " كما كان يحب أن يسميها و أوضح قوة العصبية في كل منها على حدة و ارتباط ذلك كله بالرياسة و المشيخة . سابعاً : اختلاط الانساب وكيف يقع وأثر ذلك في العصبية : أوضح " ابن خلدون " كيفية اختلاط " الانساب وبين أن النسب يمتزج في نسب آخر يتم من خلال القرابة أو الحلف أو الاجارة أو الولاء الذي يتم أو يحدث نتيجة لفرار البدوي – طبقاً للأعراف البدوية – طلباً للامان أو الحماية عند قوم غير قومه وذلك وفقاً لإجراءات معروفة ومقدرة من الجميع . كما يوضح ابن خلدون كذلك تبعات هذا الاختلاط في صورة المختلفة, وذكر مثالاً لذلك دفع الدية اعتبار أن من " يدعى بنسب هؤلاء يعد منهم في ثمراته من النعرة و القود وحمل الديات وسائر الاحوال و إذا وجدت ثمرات النسب فكأنه وجد لأنه لا معنى لكونه من هؤلاء ومن هؤلاء إلا جربان أحكامهم و أحوالهم عليه و كأنه التحم بهم " .

محاضرات في النظم القرابة والنسب في المجتمعات العشائرية:

حول تحديد ماهية المجتمعات القرابية وقواعد التسلسل وقواعد التسلسل القرابى فيها: أولاً – ماهية القرابة : تعتبر القرابة Kinship من أهم الاسس التي يرتكز عليها نظام الجماعات التساندية التضامنية Solidarry Groups ويشير اصطلاح القرابة إلى :" مجموعة من العلاقات الاجتماعية المعقدة القائمة على واقعة بيولوجية هي الميلاد , وظاهرة اجتماعية هي الزواج . (أ‌) يرى " موردوك Murdock " أن نظام القرابة ما هو الا :" متسق العلاقات يرتبط فيه الافراد بعضهم ببعض بشبكة من الروابط و الصلات وعن طريق هذه الصلات و الروابط ذاتها وليس عن طريق النظام نفسه تظهر الجماعات القرابية كالاسرة و العائلة الكبيرة أو البدنية و البطن و القبيلة . (ب‌) عرف " رادكليف براون R.Brown" القرابة بصفة مبدئية بأنها " العلاقات المباشرة التي تنشأ بين شخصين نتيجة الانحدار أحدهما من صلب الاخر أو نتيجة لانحدارهما هما الاثنين من سلف واحد مشترك". (ج) وعلى هذا فإن القرابة – كنظام – توجد في كل المجتمعات الانسانية وهي و أن كانت أوضح في المجتمعات البدوية الا أن ذلك لا يمنع القرابة من أن تكون نظاماً عالمياً عرفته كل المجتمعات على مختلف العصور لأن كل مجتمع إنساني لابد له من نظام يحدد العلاقات القرابية بين أفراد وجماعاته . ثانياً- ماهية الجماعات القرابية العشائرية ؟؟ يطلق على الجماعات الانسانية التي تقوم على اساس العلاقات القرابية اصطلاح Kin Groups أي " الجماعات القرابية " ويرى الباحثون ان تلك الجماعات تنقسم الى قسمين رئيسيين أولهما هو " Conlnjngul Family " أي الاسرة الزوجية وثانيهما هو Consanguinity Kin Group" " أي الجماعات القرابية الدموية ويرون ان الفرق بين القسمين أو النمطين راجع اساسا الى عاملين رئيسيين يتمثل الأول منهما في : قاعدة السكني حيث نجد أعضاء الاسرة الزواجية يسكنون معاً بينما لا يشترط في الجماعة القرابية الدموية أن يسكن افرادها في مسكن واحد مشترك .ويمثل العامل الثاني في : أن العلاقات القرابية لدي الاسرة الزواجية ترتكز اصلاً على الزواج بينما لا يعتبر الزواج اساسا لها في الجماعات القرابية الدموية حيث تخضع هذه الجماعات لقواعد معينة أخرى للتسلسل القرابي يتحدد من خلال نطاق تلك الجماعة القرابية التي ينتمي اليها الفرد ومن تلك القواعد " العصبية Lineage " سواء كانت عصبية الاب أو عصبية الام وليست عصبية الابوة أو عصبية الامية هذه شيئاً من صنع الفرد ولكن ذلك الفرد عندما يولد يجد مجتمعة قد وضعة – حتى قبل ولادته – وفقاً لقواعد القرابة السائدة . المهم أن المجتمع يضع أعضاءه إما داخل نطاق تسلسل قرابي أبوي Patrilineal Descent " أو داخل نطاق " تسلسل قرابي أمي Matrilineal Descent "" وفي نطاق التسلسل القرابي الابوي يصبح الطفل بالضرورة عضواً في الجماعات القرابية الدموية التي ينتسب إليها أبوه بينما يصبح الطفل عضوا في الجماعة القرابية الدموية التي ينتسب إليها أبوه بينما يصبح الطفل بالمقابل بمجرد ولادته عضوا في الجماعة القرابية الدموية التي تنتسب إليها أمه في نطاق التسلسل القرابي الامي ومن ثم يصبح خط القرابة بالنسبة له هو خط الاناث لا الذكور ويأتي أقربؤه من جهة الأب – بما فيهم الاب نفسه- في المرتبة الثانية بعد أقربائه من جهة الام وفي أحيان كثيرة قد لا يعتبرون أقرباءه على الاطلاق حيث يرث الابن خاله ويورثه بينما لا يرثه أبوه ولا يرث هو منه شيئاً ..الخ ثالثاً – قواعد التسلسل و الانتماء القرابي : هذا وينظم بعض الباحثين أهم القواعد على اعتبار أن : (أ‌) هناك تسلسلا قرابياً أمياً و تسلسلاً قرابياً أبوياً . (ب‌) كما يوجد هناك تسلسلاً قرابياً ثنائياً آخر لكنه اختيارياً يمتزج فيه انتماء الفرد باختياره بين عصبة أبيه أو أمه . (ت‌) يوجد أخيراً التسلسل الثنائي الاجباري وفيه يجبر الفرد على أن ينتمي للجماعة القرابية لابيه بنفس القدر الذي ينتمي خلاله للجماعة القرابية لامه ومن هنا يصبح كل اعضاء الجماعتين أقرباء له شاء أو كهره . والجدير بالذكر أن " موردوك " قد لاحظ أن قاعدة التسلسل القرابي الابوي هي اكثر القواعد القرابية انتشاراً في المجتمعات البدوية التي درسها . وفي نطاق البداوة الصحراوية العربية فإن كان الاسلام يرجح أو يميز أو يفضل قرابة الاب على قرابة الام خصوصاً فيما يتعلق بالحقوق و الواجبات المتصلة بالميراث و النفقة ومختلف صور التكافل أو الكفالة الاجتماعية الاخرى علاوة على دفع المهر والدية و القصاص وما إليها . كما يؤكد البعض الاخر من الباحثين في محاولة للتحديد الدقيق لقواعد أو نظم التسلسل القرابي أن في المجتمعات الانسانية ارتكزت على الرغم من تعددها واختلافها على سته نظم قرابية رئيسية عرفتها البشرية خلال مراحل تطورها المختلفة وهذه النظم هي : (أ‌) النظام الأمي : وهو النظام الذي يعتمد محور القرابة فيه على الام وحدها فالولد يلتحق بأمه و أسرة أمه أما أبوه و أفراد أسرته فيعتبون أجانب عنه لا تربطه بهم أيه رابطة من روابط القرابة الدموية . (ب‌) النظام الابوي : وهو نظام الذي يعتمد محور القرابة فيه على الاب وحده فالولد يلحق أو يلتحق بأبيه و أسرة أبيه أما أمه و أفراد أسترها فيعتبرون أجانب عنه ولا يشعر نحوهم كما لا يشعرون نحوه بأية عاطفة عائلية . (ث‌) أما النظام الثالث : فهو نظام مشترك يكون محور القرابة فيه معتمداً على الناحيتين معاً ناحية الاب وناحية الام مع ترجيح ناحية الاب على ناحية الام مع ملاحظة أن هذا النظام هو الذي تسير عليه جميع الشعوب و الامم الاسلامية . (د) أما النظام الرابع : فهو كسابقة يعتمد على الناحيتين معاً " الام و الاب " لكن مع ترجيح ناحية الام على ناحية الاب ومن الواضح ان هذا النظام ليس واسع الانتشار ويكاد يكون مقصوراً على فترات انتقال الشعوب من النظام الامي الى النظام الابوي . (ه) و النظام الخامس : وهو ذلك النظام الذي يكون محور القرابة فيه معتمداً على الناحيتين معاً دون مفاضلة كبيرة بينهما ويسود هذا النظام لدى معظم الامم الاوربية . (و) النظام السادس : أن يكون محور كل من القرابة و الاسرة قائماً على شيء أو عامل آخر غير انتساب أو انحدار الفرد من أب واحد أو أم معينة كأن يتبع الولد طوطم المكان الذي أحست فيه الام لاول مرة بتحركه في بطنها وهو جنين لم يولد بعد . ومن هنا كان انتماء الطفل الى الطوطم المحلي أو الطوطم الحملى " نسبة الى المحل أو الى الحمل " ومن هنا فان القرابة لا تعتمد في هذه الحالة على أية روابط دموية أو مكانية جغرافية و إنما كانت صلة القرابة على مجرد المصادفة و التواضع الاجتماعي . و التواضع هنا يعني الاتفاق الجماعي أو الاجتماعي . رابعاً الاسرة و الزواج وعلاقتهما بنظام القرابة في المجتمعات العشائرية البدوية : يدخل تحت نطاق دراسة نظام القرابة Kinship في المجتمعات العشائرية موضوعان هامان : أولهما نظام الاسرة , وثانيهما نظام الزواج , ولقد تحدثنا عن الاسرة خلال فصل سابق وسنتناول الزواج كموضوع مستقل في فصل تال ونجد أنه لا داعي للتكرار و إن كنا نحب أن نشير هنا الى ان معظم الباحثين يرون أن الخاصية الغالبة لدى كثير من الجماعات القرابية الدموية هي خاصية أو قاعدة الزواج من الخارج بمعنى أن إحساس أعضاء الجماعة بأن الرابطة التي بينهم هي رابطة أخوة أو أبوة أو بنوة يدفعهم إلى تطبيق قاعدة الزواج من الخارج Exogamy على اعتبار أن كل أعضاء الجماعية القرابية الدموية يصبحون محارم لراغبي الزواج .

السبت، 17 أكتوبر 2015

محاضرات علاقة علم اجتماع البدوي بالأنثروبولوجيا

ماهي الأنثروبولوجيا الاجتماعية : تعني الأنثروبولوجيا Anthropology بصفة عامة بدراسة الانسان مشاركة في ذلك العديد من العلوم الطبيعية والاجتماعية ولسنا هنا بصدد توضيح نشأة الأنثروبولوجي كعلم فلذلك مراجعة ومدارسة ونظرياته الكثيرة والممنوعة , وانما الذي يعنينا في هذا المجال هو أن نوضح ان علم الأنثروبولوجيا يدرس الانسان من زاويتين أولهما على اعتبار ان الانسان واحد من اعضاء المملكة الحيوانية , والثانية على اعتبار أن ذلك الانسان عضو في مجتمع واهتمام الأنثروبولوجيا ليس مقصوراً على انسان ما بالذات أو حتى على زمن معين أو في مكان محدد و إنما هو – أي ذلك الاهتمام للأنثروبولوجيا –ممتد لكل انسان في أي مجتمع وفي كل العصور والأزمنة والامكنة ايضاً .ومن هنا تمركزت أو تمحورت اهتمامات الأنثروبولوجيا في ثلاث نقاط وربما كان ذلك التمحور أو التمركز يدور حول (ثلاث ) اتجاهات رئيسية هي : النقطة الاولى هي : دراسة كل مراحل التطور التي اثرت في التركيب العضوي للإنسان . النقطة الثانية : دراسة كل تغير اصاب حضارة ذلك الانسان واثر فيها سواء بالحذف أم بالإضافة أما النقطة . الثالثة والاخيرة : فتبرز أو تتضح من خلال الاتجاه نحو الدراسات المقارنة والتي احتلت مكانا مبرزاً من الدراسات الأنثروبولوجي بصفة عامة . ولقد اهتم ذلك الاتجاه الاخيرة بإبراز نقاط الالتقاء أو الاختلاف بين العديد من المجتمعات والحضارات محل الدراسة . وعلى الرغم من بروز الاتجاهات الثلاثة الاخيرة بإبراز نقاط الالتقاء او الاختلاف بين العديد من المجتمعات والحضارات محل الدراسة . وعلى الرغم من بروز الاتجاهات الثلاثة السابقة الذكر إلا أنه من المتفق عليه علميا أن مجال الدراسة في علم الأنثروبولوجيا يقتسمه اهتمامان اساسيان أولهما :دراسة الانسان ككائن طبيعي ويتوافر على ذلك ما يعرف باسم علم الانسان الجسمي أو الانثروبولوجيا الجسمية Anthropology Physical . وثانيهما : دراسة الانسان ككائن اجتماعي ويتوفر على ذلك ما يطلق عليه علم الانسان الحضاري أو الأنثروبولوجيا الحضارية Cultural Anthropology . هذا وقد نشأ عن التقسيم السابق مجموعة من التفريعات ليس هنا مجال ذكرها ولكن المهم هو أن نوضح أن الأنثروبولوجيا الاجتماعية تمثل إحدى تلك التفريعات الرئيسية سواء اعتبرت الأنثروبولوجيا الاجتماعية فرعاً من الأنثروبولوجيا الحضارية كما ترى المدرسة الامريكية أم اعتبرت قسماً مستقبلاً من أقسام علم الأنثروبولوجيا بصفة عامة كما ترى المدرسة الانجليزية إلا أنه من المهم أن نتفق على أن الاهتمام الرئيس للأنثروبولوجيا الاجتماعية هو تحليل البناء الاجتماعي للمجتمعات الانسانية بصفة عامة والمجتمعات البدائية وشبة البدائية " البدوية" بصفة خاصة وذلك من خلال الدراسة المركز للبناء الاجتماعي لهذه المجتمعات القبلية أو العشائرية و توضيح عوامل الترابط و التأثير المتبادل لمختلف تلك النظم الاجتماعية التي بداخل تلك المجتمعات . هذا وتعتمد الأنثروبولوجيا الاجتماعية في دراستها تلك للبناء الاجتماعي للمجتمعات البدائية وشبة البدائية على المجموعة من الاتجاهات والطرق المختلفة كما انتظمت في العديد من المدارس المتنوعة سواء من حيث الفلسفة او المنهج وذلك ابتداء من المدرسة النشوئية المدرسة التطورية المدرسة الانتشارية المدرسة الوظيفية واخيراً المدرسة الايكولوجية . وان كنا نتعقد ان أظهر هذه المدرسة جميعاً هي المدرسة الوظيفية التي اسسها " رادكليف براون "والتي تقوم على تصور نظري مؤداه أن النظم الاجتماعية في أي مجتمع ما هي الا نسيج تتشابك عناصره وتؤثر كل منها في الاخرى وتعمل تلك العناصر على خلق وايجاد وحدة اجتماعية تسمح لمجتمع بالبقاء واستمرار النمو. اهتمامات الأنثروبولوجيا الاجتماعية : يمكن أن نعود لنحدد معاً في عجلة اهتمامات الانثربولوجيا الاجتماعية لنجد أن تلك الاهتمامات تكاد تنحصر فيما يلي : (أ)دراسة النظم الاجتماعية بغرض تحديد العلاقة والتأثر المتبادل بين تلك النظم بعضها وبعض سواء في ذلك المجتمعات التاريخية عن طريق ما خلفته من اثار وشواهد أو بالنسبة للمجتمعات المعاصرة من خلال الملاحظة المباشرة والمعايشة الكاملة أو شبة الكاملة طبقاً لما تتطلبه الدراسة العلمية الحقلية لتلك المجتمعات محل البحث والدراسة . (ب)من هنا يمكن القول بأن الانثربولوجيا الاجتماعية قد اهتمت بدراسة البناء الاجتماعي وخاصة للمجمعات البدائية مع تأكد مبدأ "الدراسة العميقة لمنطقة محدودة أو مشكلة معينة " . (د) هذا مع اعتبار أن دراسات الميدانية أو الحقلية قد صارت تشكل اليوم أهم ملامح المنهج الرئيس لعلم الانثربولوجيا الاجتماعية . (ه) توجد عدة اتجاهات معاصرة نقلت بعض اهتمامات الأنثروبولوجيا الاجتماعية لدراسة المجتمعات المدينة أو المتمدينة , وإن كان ذلك لا يمنع من القول بأن الاهتمام الرئيس للأنثروبولوجيا الاجتماعية مازال يتركز حول المجتمعات البدوية وشبه البدوية والتي قد تسمى – تجاوزا- بالمحتمات البدائية أو شبه البدائية وهي على كل حال مجتمعات صغيرة الحجم لا تخرج عن كونها عدة بدنات أو عشائر أو جماعات صغيرة تعيش حياة تكنولوجية بسيطة وان كان ذلك لا يعني بساطة النظم الاجتماعية فيها فإن بعضها قد يعيش على الصيد وجمع الثمار والرعي وفي نفس الوقت يطبق نظما قرابية أو دينية أو قانونية أو سياسية على درجة عالية من التعقيد. دعائم وأشكال الصلات بين علام البدوي والأنثروبولوجيا الاجتماعية : لعنا نكون بعد هذا العرض السريع لماهية الأنثروبولوجيا الاجتماعية والتعرف على اهتماماتها ومناجاتها في البحث ,نقول : لعلنا نكون قد أمطنا اللثام عن كنه ذلك العلم الذي نعتقد بحق أن هناك صلات قوية وعميقة وبينه وبين علم الاجتماع البدوي ويمكن أن نتعرف على تلك الصلات من خلال النقاط التالية . (أ)هناك تشابه كبير في مجال البحث بين كل من الأنثروبولوجيا الاجتماعية وعلم الاجتماع البدوي ويتضح ذلك التشابه من خلال دراسة كل منها للمجتمعات البدوية المتعددة وان اختلفت مناهج البحث وطرقه في كل من العلمين الى حد ما . هذا وقد يعتبر البعض أن هذه النقطة موضع اختلاف لا موضع اتفاق أو تشابه وهم يرون أن مجال الاختلاف الوحيد بين علم الاجتماع العام وبين الأنثروبولوجيا الاجتماعية إنما يقتصر على مجال الدراسة الذي يتمثل في تقسيم التقليدي بين العلمين – أي بين علم الاجتماع العام وعلم الأنثروبولوجيا الاجتماعية – حيث يهتم الاول بدراسة المجتمعات الحديثة بينما يهتم الثاني بدراسة المجتمعات البدائية . ونحن نعتقد أن ذلك قد يكون صحيحاً نقطة الخلاف الوحيدة هذه هي نقطة الالتقاء الرئيسية ايضاً على اعتبار أن المجتمعات البدوية التي قد يطلق عليها احياناً المجتمعات البدائية أو شبة البدائية تمثل الاهتمام الرئيس كذلك لعلم الاجتماع البدوي كما أوضحنا ويتضح من خلال صفحات هذا الكتاب . هذا و "لايفانز بريتشاد " رأي فيما يتعلق بالتمييز بين علم الاجتماع العام والأنثروبولوجيا الاجتماعية يحسن الرجوع اليه حتى تتكامل الصورة . (ب) تسمى الأنثروبولوجيا الاجتماعية احياناً بعلم الاجتماع المقارن . وذلك راجع لأنها تهتم بالدرجة الاولى بدراسة البناء الاجتماعي والتنظيمات الاجتماعية أما اهتمامها بدراسة العادات فيأتي في الدرجة الثانية بينما يهتم علم الاجتماع البدوي كما سبق أن أوضحنا بتحديد ظاهر البداوة وتتبع مختلف مظاهرها ونظمها الاجتماعية والاقتصادية فضلاً عن التعرف على طبيعة البنيان الاجتماعي للمجتمع البدوي بوجه عام مع اكتشاف الخصائص الاجتماعية والنفسية والحضارية للجماعات البدوية بوجه خاص ولعل النقطة الاخيرة هذه تمثيل أشد نقاط الالتقاء وضوحاً بين علم الاجتماع البدوي والأنثروبولوجيا الاجتماعية . (ج)يمكن أن يستمد علم الاجتماع البدوي – كواحد من فروع علم الاجتماع العام – صلته الافتراضية بالأنثروبولوجيا الاجتماعية من خلال صلتها –أي الأنثروبولوجيا –الثابتة علميا بعلم الاجتماع العام ومن علامات هذه الصلة تأثر المدرسة الانجليزية في الأنثروبولوجيا بنظريات و آراء " أميل دور كايم " في علم الاجتماع والتي أكدها " رادكليف براون " وخاصة فيما يتعلق بأفكار وتصورات البناء الوظيفي . (د)قدمت الابحاث والدراسات الأنثروبولوجيا العديدة المناخ الخصب لهذا الكتاب الذي بين ايدينا الان , وقد اعتمدنا عليها اعتماداً يكاد يكون اساسياً ونحن نقدم نماذج للمجتمعات البدوية خلال الباب الاول لهذا الكتاب , وكلها بغير استثناء نماذج دراسية ممتازة أعانتنا الى حد كبير في تحديد الصلات الافتراضية الموجودة بين علم الاجتماع البدوي والأنثروبولوجيا الاجتماعية علاوة على انها كانت –مع دراسات اخرى – ممهدة لظهور علم الاجتماع البدوي ذاته كأحد العلوم الخاصة لعلم الاجتماع العام كما تصورناه ويجده الان القارئ الكريم بين يدية .